-->

كتب/ محمود العلايلي لـ المصري اليوم


محمود العلايلي

إن السيادة الدلالية لبعض الألفاظ قد تطغى أحيانا على المعنى الاصطلاحى، فأصبحت كلمة المواطنة تدل مباشرة على وجود مشكلة طائفية تخص نزاعا بين مسلمين ومسيحيين، أو عملية إيذاء أو اضطهاد لمسيحيين، أو ممارسة تمييزية- وما أكثرها- على مستوى العمل أو العلاقات الاجتماعية، بينما يشير مفهوم «المواطنة» إلى الحقوق التى تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيتها، والالتزامات التى تفرضها عليه، أو قد تعنى مشاركة الفرد فى أمور وطنه، وما يشعره بالانتماء إليه.


وهنا يظهر أن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر فرع من المواطنة، وهو ما يعانى من افتقاده شريحة عريضة من المواطنين المصريين سواء مسلمين بشكل غير مباشر أو مسيحيين بشكل مباشر، لأسباب تعود إلى البنية التاريخية، وما حوته من تأثيرات دينية سياسية، أدت إلى تكوين اجتماعى ببنية ذهنية تمييزية مستندا على مرجعية دستورية وتشريعية تكاد تحلل كل خروج أو خرق لأبسط قواعد المواطنة.


وهنا يظل التساؤل ملحا: هل يمكن أن تتحقق شروط المواطنة بهذه المعطيات، أم يجب علينا أن نعيد النظر فى تركيبة الدولة من الأساس، والانحياز للتركيبة العلمانية التى جرى على إثرها دول العالم الحديث؟.


وحتى لا يكون الكلام انطباعيا سأناقش مفهوم العلمانية- أو العالمانية- بشكل مستفيض من جانبه السياسى، حيث ترمى العلمانية إلى أن الدولة والمجتمع يجسدان علاقات اجتماعية وليست علاقات دينية، والعلمانية فى جوهرها لا تلغى الدين ولا الممارسة الدينية، بل تخرج السياسة والتنظيم الإجتماعى من حيز الممارسة الدينية، كما تخرج الممارسة الدينية من الحيز الاجتماعى والسياسى، وفى الوقت الذى يقرر فيه البعض أن لفظ علمانية معناه فى اللغة لا دينى، بينما الصواب أن الكلمة إنجليزية (*) معناها «الناس المهتمون بشؤون العالم» أو «الزمن»، فإن هذا الخطأ فى توصيف العلمانية بأنها مفهوم «لا دينى» يعطى انطباعا بأنها تعنى الرافضين للدين أو أعداء الدين أو المارقين عليه، والأصوب أن المفهوم يرمى إلى «غير دينى» بمعنى عدم الزج بالدين فى الشؤون الحياتية للبشر والتى يستطيعون حلها وتوفيقها تبعا لمعطيات عصرهم ومتطلبات حياتهم التى تتغير وتتنوع مع الزمن.


ويشرح الدكتور فؤاد زكريا ذلك شرحا وافيا إذ يقول: إن العلمانية إن جاز أن توصف بأنها «لا دينية» فإنها لا تكون إلا بالمعنى الذى يرمى إلى إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسى للمجتمع، والإبقاء على هذا الميدان بشريا بحتا تتصارع فيه برامج البشر ومصالحهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دون أن يكون لفئة منهم الحق فى الزعم بأنها تمثل وجهة نظر السماء، أما معنى رفض الدين فإنه ليس فى صميم العلمانية فى شىء، لأنه صحيح أن بعض العلمانيين رافضون للدين، ولكن المؤكد أيضا أن كثيرا من العلمانيين متدينون، لأن الدين يحتفظ بقداسته فى كلتا الحالتين، لكنه ينزه عن التدخل فى الممارسات السياسية المتقلبة مع تنظيمه جوانب هامة فى حياة الإنسان مثل الجانب الروحى والأخلاقى.


ونتيجة للالتباس اللغوى فى العربية وربط كلمة «علمانية» بالعلم، فقد رفض كثير من المفكرين الإسلاميين الخلط بين المصطلحين، بل زعموا أن الخلط مقصود لفرض العلمانية بقوة العلم، ولذا سعى محمد يحيى إلى تصحيح ذلك الالتباس اللغوى فى لفظة «العِلْمانية» بكسر العين وسكون اللام، بينما رأى أن النطق الصحيح يكون بفتح العين واللام مع إضافة ألف بعد العين لتكتب «العالمانية» لتدل على معناها وهو النزعة الدنيوية المهتمة بشؤون العالم الذى نعيش فيه، وليس بأحوال العالم الآخر والغيب.


ومن فروض العالمانية أنها الضامن الرئيسى لصيانة حرية الاعتقاد والممارسة الدينية للجميع على قدر واحد، أما السيطرة على المجتمع بزعم النيابة عن السماء، أو الإيحاء بوهم القبول الدينى من طرف مسيطر لطرف أضعف، بأن السماح ببناء الكنائس وممارسة الشعائر منحة من المسلمين للمسيحيين بحسب نصوص الكتاب ووصايا الأجداد، لهو ضرب لقيم الحرية على إطلاقها، وإهدار لقيمة المواطنة على سبيل الخصوص.

شارك المقالة
أضف تعليق
Admin

العالمانية والمواطنة

السبت، 19 يناير 2019