تقرير: اضطهاد المسيحيين يقترب من الإبادة الجماعية في الشرق الأوسط

صحيفة الغارديان


كشف تقرير بريطاني أن اضطهاد المسيحيين، والذي يصل في بعض الأحيان إلى حد الإبادة الجماعية، لا يزال مستمرًا في مناطق من الشرق الأوسط، ما دفع المسيحيون إلى اللجوء إلى الهجرة الجماعية خلال العقدين الماضيين، وذلك بحسب التقرير المعدّ بتكليف من وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت.



وجاء في التقرير البريطاني، إن الملايين من المسيحيين في المنطقة قد تم اقتلاعهم من ديارهم، وقتل الكثير منهم، وخطفوا وسجنوا وتعرضوا للتمييز. ويسلط التقرير الضوء على التمييز في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء وشرق آسيا، وأن ذلك غالبًا ما يتم بدعم من الأنظمة الحاكمة.


ووصف هانت التقرير، الذي نشر يوم الخميس استنادًا إلى مراجعة بقيادة أسقف ترورو فيليب مونستيفن، باعتباره "واقعيًا بشكل حقيقي"، خاصة أنه جاء حيث "كان العالم يشاهد الكراهية الدينية الكامنة في هجمات عيد الفصح الفظيعة في سريلانكا، كما والهجوم المدمر على مسجدين في مدينة كرايستشيرتش" في نيوزيلندا.


وجعل هانت، وهو أنغليكاني، مسألة اضطهاد المسيحيين واحدة من الموضوعات الرئيسية في وزارة الخارجية. وقال "أعتقد أننا ابتعدنا في الحديث عن اضطهاد المسيحيين، لأننا بلد مسيحي، ولدينا ماضٍ من الاستعمار، ولهذا يسبب هذا الأمر، في كثير من الأحيان، نوعًا من العصبية". وأضاف "لكن، يجب علينا أن ندرك، أن المسيحيين هم أكثر الجماعات الدينية اضطهادًا، وهذا ما يشير إليه تقرير الأسقف بشكل صارخ".


وأضاف: "ما نسيناه ضمن هذا المناخ من الصواب السياسي هو الواقع؛ إن المسيحيين الذين يتعرضون للاضطهاد هم من بين أفقر الناس على هذا الكوكب. في الشرق الأوسط، كانت نسبتهم تبلغ حوالي 20 بالمئة، أما اليوم فتصل إلى 5 بالمئة". وتابع: "لقد كنا نائمين عندما تعلق الأمر باضطهاد المسيحيين. ولا أعتقد أن الأمر يتعلّق بتقرير أسقف ترورو فحسب، إنما من الواضح أن ما حدث في سريلانكا يوم أحد الفصح قد أيقظ الجميع على صدمة هائلة". وصمم التقرير في هذه المرحلة بغية تحديد حجم الاضطهاد، وسيقدّم تقريرًا نهائيًا في الصيف، ليتطرق حول ما يجب لوزارة الخارجية البريطانية أن تفعل بغية زيادة الوعي في هذه القضية.


ويظهر التقرير أن المسيحيين كانوا يشكلون 20 بالمئة من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ قرن. لكن، ومنذ ذلك الحين، هبطت هذه النسبة إلى أقل من 4 بالمئة، أو حوالي 15 مليون شخص. ويقول التقرير إنه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "أدى أشكال الاضطهاد الذي يتراوح بين التمييز الروتيني في التعليم والتوظيف والحياة الاجتماعية، وبين الهجمات الهادفة إلى إبادة المجتمعات المسيحية، إلى هجرة عدد هائل من المسيحيين من هذه المنطقة منذ بداية القرن".


وأشار التقرير البريطاني إلى أنه وفي بلدان مثل الجزائر ومصر وإيران والعراق وسورية والسعودية، وصل وضع المسيحيين والأقليات الأخرى إلى مرحلة تنذر بالخطر. ففي المملكة العربية السعودية هنالك قيود صارمة على جميع أشكال التعبير عن المسيحية بما في ذلك العبادة العامة. كما كانت هناك حملات منتظمة على العبادات المسيحية الخاصة. وتسبب الصراع العربي الإسرائيلي في رحيل غالبية المسيحيين الفلسطينيين عن وطنهم، فانخفضت نسبتهم من 15% إلى 2%.


ويحدد التقرير ثلاثة مسببات لهذا الاضطهاد، أولاً: الفشل السياسي الذي يخلق أرضية خصبة للتطرف الديني؛ وثانيًا: صعود المحافظين الدينيين في بلدان مثل الجزائر وتركيا؛ وثالثًا: نقاط الضعف المؤسساتي على مستوى العدالة وسيادة القانون والأمن، والتي عملت على ترك المجال مفتوحًا للاستغلال من قبل المتطرفين.


ويقول التقرير البريطاني: "إن ظهور خطاب الكراهية ضد المسيحيين الذي يبثه الزعماء الدينيون عبر وسائل الإعلام الحكومية، وخاصة في بلدان مثل إيران والسعودية، قد عرّض سلامة المسيحيين للخطر، وخلق موجة من التعصب الاجتماعي".


وفي النتائج التي تشكّل صعوبات للمملكة المتحدة في سعيها لبناء العلاقات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، يذكر التقرير أنه "في بعض الحالات، تشارك الدولة والجماعات المتطرفة والأسر والمجتمعات بشكل جماعي في الاضطهاد وسلوك التمييز. ففي دول مثل إيران والجزائر وقطر، تمثل الدولة الفاعل الرئيسي. أما في سورية واليمن والسعودية وليبيا ومصر، فإن الجهات الفاعلة، سواء حكومية وغير حكومية، وجماعات دينية متطرفة على وجه الخصوص، تكون متورطة" في هذا الشأن.


في عام 2017، قُتل ما مجموعه 99 مسيحيًا مصريًا من قبل جماعات متطرفة، 47 منهم قتلوا يوم أحد الشعانين في طنطا والإسكندرية. لقد تم استهداف المسيحيين المصريين بشكل مستمرّ من قبل الجماعات المتطرفة خلال عامي 2017 و2018.


ويبقى الاعتقال والاحتجاز والسجن ممارسات شائعة في دول مثل إيران ومصر والسعودية. على سبيل المثال، قبل ستة أيام من عيد الميلاد 2018، اعتقل 114 مسيحيًا في إيران، مع ترك هذه القضايا القضائية معلّقة كشكل من أشكال الترهيب. وعلى الرغم من أن معظم الحالات في إيران تشمل المتحولين إلى المسيحية، إلا أنه تم استهداف وسجن مسيحيين أصليين، مثل القس فيكتور، المسيحي الأشوري، مع زوجته شاميرام إيسافي".


ويسلط التقرير الضوء على كيفية قيام الدولة ووسائل الإعلام الاجتماعي التي ترعاها الدولة، أحيانًا، بالتحريض على الكراهية ونشر الدعاية ضد المسيحيين، وخاصة في إيران والعراق وتركيا. فحزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، يصوّر المسيحيين على أنهم "تهديد لاستقرار الأمّة"، وغالبًا ما يتم وصف المواطنين المسيحيين الأتراك بأنهم ليسوا أتراكًا حقيقيين، إنما كمتعاونين غربيين". أما في السعودية، فيقول التقرير "تعلّم الكتب المدرسية التلاميذ الكراهية الدينية والتعصب تجاه غير المسلمين، بمن فيهم المسيحيون واليهود".


إبادة جماعية؟

وفي معرض الدفاع عن إدعاء الإبادة الجماعية، يقول التقرير البريطاني: "يمكن القول أن مستوى وطبيعة الاضطهاد يقتربان من تلبية التعريف الدولي للإبادة الجماعية، وفقًا للتعريف الذي اعتمدته الأمم المتحدة".


اتضح أن القضاء على المسيحيين والأقليات الأخرى بسبب "السيف"، أو بغيره من الوسائل العنيفة، هو الهدف المحدد والمعلن للجماعات المتطرفة في سورية والعراق ومصر وشمال شرق نيجيريا والفيليبين. إن النية في محو كل الأدلة التي تشير إلى الوجود المسيحي قد بدت واضحة، عندما أزيلت الصلبان ودمرت المباني الكنسية وغيرها من الرموز.


ويضيف التقرير: "يمثل قتل واختطاف رجال الدين هجومًا مباشرًا على هيكلية الكنيسة وقيادتها. عندما تتوافق هذه الحوادث وغيرها مع اختبارات الإبادة الجماعية، سيتعين على الحكومات تقديم الجناة إلى العدالة، ومساعدة الضحايا، واتخاذ تدابير وقائية للمستقبل. إن التأثير الرئيسي لمثل هذه الأعمال الجماعية ضد المسيحيين هو الخروج الجماعي".


وبالإشارة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يخلص التقرير البريطاني إلى أن "التحدي الذي يواجهنا في بداية القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في الحاجة إلى الكفاح من أجل نظام قانوني عادل، بل بالأحرى، من أجل عارنا، فقد فشلنا بشدة في تطبيق أفضل نظام تم ابتكاره حتى الآن من أجل حماية الحريات العالمية".