-->

دويتشه فيليه


بعد ثلاثة أشهر من بدأ الهجوم التركي، يعيش المجتمع المسيحي العريق الصغير في شمال شرق سوريا كابوسًا مرعبًا. وبعدم وجود مكان يتوجهون إليه ليكون ملاذًا آمنًا لهم، يبدو مستقبل أفراد هذا المكوّن قاتمًا على نحو كبير.



الشارع الرئيسي في تل حفيان في الشمال الشرقي لسوريا يبدو مزدحمًا كما كان من قبل، ولكن يكاد لا يوجد أحد من أهالي المنطقة نفسها.


من بين مجموعة أشخاص يكافحون لإخراج سيارة من الوحل، تساءل أحدهم: "عائلة من أهل المنطقة؟ أعتقد أنه لا تزال هناك عائلة واحدة في ذلك المنزل لكنني غير متأكد". معظم الناس حاليًا هنا هم عائلات نازحة من رأس العين، أحد المواقع السورية الخاضعة لسيطرة الميلشيات التي تدعمها تركيا.


بدأت تركيا توغلها في المنطقة في تشرين الأول الماضي لاستهداف وحدات حماية الشعب (YPG)- التي قادت الحرب ضد تنظيم "داعش"- إذ تعتبرها أنقرة "تهديدًا إرهابيًا" مرتبطًا بحزب العمال الكردستاني.


بعد ثلاثة أشهر من الهجوم، نزح أكثر من 200 ألف شخص، وفقًا للأمم المتحدة، حيث يستقر كثيرون في المنازل الخالية التي هجرها أهالي المنطقة المسيحيين في وادي خابور. ويعد إدمون لونان من بين أهالي المنطقة القلائل الذين رفضوا مغادرة تل حفيان.


قال لونان لـDW: "كنا 35 عائلة في هذه القرية، وجميعهم مسيحيون سريان وآشوريون، لكن معظمهم هربوا في شباط 2015 بعد هجوم داعش". وعلى الرغم من عودة البعض بعد سقوط التنظيم الإرهابي، إلا أن الهجوم التركي الأخير أرغم معظمهم على المغادرة مرة أخرى. وفقًا للونان، لم يظل سوى 3 عائلات مسيحية في تل حفيان.


مجتمع قديم

التاريخ الحديث للمسيحيين في وادي الخابور عبارة عن كابوس. إذ أن أجدادهم قد هربوا من الأناضول خلال الإبادة الجماعية عام 1915. فكان العراق المحطة الأولى لكثيرين، غير أن الحياة هناك لم تكن سهلة أيضًا. وبعد حدوث مذبحة في شمال العراق في عام 1933، عبر كثيرون إلى سوريا التي كانت آنذاك تحت السيطرة الفرنسية، حيث استقروا على طول نهر الخابور.


وما إن بدأت المنطقة التي كانت تضم نحو 15 ألف شخص في وادي الخابور بالانتعاش، حتى غادرها المئات بعد هجوم "داعش" في عام 2015 بحسب منظمات محلية غير حكومية.


في تقرير صدر في تشرين الثاني الماضي، اتهمت هيومن رايتس ووتش الميليشيات المدعومة من قبل تركيا بـ"عمليات إعدام، ونهب الممتلكات، ومنع النازحين من العودة إلى ديارهم". وبعد أيام قليلة من بدء الهجوم، أشارت منظمة العفو الدولية إلى "أدلة دامغة على جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات التركية وحلفاؤها".


في مقابلة أجريت في القامشلي، المدينة الرئيسية في شمال شرق سوريا، ندد سنحاريب برسوم، زعيم حزب الاتحاد السرياني، بـ"عدوانية" تركيا. وقال لـ: DW "الأمر لا يتعلق فقط بالأكراد أو المسيحيين، أنقرة تستهدف الشعب السوري بأسره".


الاختباء في المدارس المهجورة

على بعد 2 كيلومترًا فقط من تل حفيان، المشهد يتكرر في تل ناصري، حيث أن مئات العائلات النازحة تتجمع في الشوارع الموحلة أثناء انتظارها لتوزيع المواد الغذائية والأغطية من قبل المنظمات غير الحكومية المحلية. عند مدخل القرية، تلعب مجموعة من الأطفال وسط أنقاض كنيسة السيدة "مريم العذراء"، التي دمرها مقاتلو "داعش" خلال عيد الفصح عام 2015.


فقامت "إدارة الأمر الواقع" في شمال شرق سوريا ببناء كنيسة على بعد بضع مئات الأمتار. ووفقًا لعناصر قوات حماية الشعب عند نقطة تفتيش القرية الرئيسية، "ستبقى الكنيسة مغلقًة حتى عودة أهالي المنطقة".


من جهة أخرى، حضور ميليشيات مدعومة من تركيا بالقرب من قرية تل الطويل يجعلها خطيرة للغاية كملاذ مؤقت للنازحين، حيث لا يوجد فيها سوى عدد قليل من مقاتلي وحدات حماية الشعب وعشرات العناصر المسلحة من المجلس العسكري السرياني (MFS). ووفقًا لهذا الأخير، لجأ بعض الأهالي إلى مدرسة القرية المهجورة.


وقال عيسى إشيا، حارس المدرسة الفارغة لـ:DW "أنا خائف بالطبع، ولكني أفضل الموت هنا على قضاء الشتاء في خيمة".


وبينما تبحث العديد من العائلات النازحة عن مأوى في المدارس المهجورة في الحسكة على بعد حوالي 80 كيلومتراً جنوب الحدود التركية، أقامت الإدارة "الذاتية" الكردية مخيمًا للاجئين في ضواحي المدينة للتعامل مع حالة الطوارئ.


أخبر موظفو الهلال الأحمر الكردي الذين يديرون المخيم DW أنهم يهتمون في الوقت الحالي بأكثر من 4 آلاف نازح، "مع وصول أسرة واحدة على الأقل يوميًا".


العمر يعيق المغادرة

أصوات القصف بالهاون القادمة من بعيد، تمنع المدنيين القلائل الذين ظلوا في تل حفيان من المغامرة بالخروج من منازلهم.


عندما وصلنا إليهما، كان الزوجان المسنان خوشابا وخضرا، يتناولان الطعام. وخلال لقائهما، اعتذرت خضرا التي تجاوزت الـ70 عامًا عن "لغتها العربية الركيكة"، إذ أن لغتها الأم هي الآرامية الحديثة التي لا تزال متداولة ضمن هذه الأقلية.


وأثناء الحديث قالت السيدة: "لا توجد حرب هنا، لماذا تسأل هذا السؤال؟". فاعتذر خوشابا، وقال إن زوجته تعاني من الخرف ولا تعلم بما يجري.


خوشابا يعرف أن العدو أمامه مباشرة. إذ قال مشيرًا إلى نافذة في مطبخهم: "يمكنني رؤيتهم من هنا"، وأضاف: "ليس لدينا أطفال (لمساعدتنا)، أين يمكننا أن نذهب لوحدنا؟".
شارك المقالة
أضف تعليق
Admin

كيف يعيش المجتمع المسيحي العريق الصغير في شمال شرق سورية؟

الخميس، 23 يناير 2020