-->

لينا مشربش
 

الإعلامية الأردنيّة لينا مشربش تخبرنا عن رحلة عودتها من لندن إلى عمّان، قبل ساعات من دخولها الحجر الصحي في أحد فنادق



لم يكن منظرًا مألوفًا أن أشاهد طاقم الملكية الأردنية المشهود بأناقتهم وأنا أدخل الطائرة التي كانت ستقلنا في رحلة العودة إلى الأردن مساء الخامس عشر من آذار 2020 في رحلة إستثنائية بكل تفاصيلها، في لباس أبيض من الرأس إلى القدم، لا يظهر من ملامحهم غير العيون، وزعت الكمامات والقفازات عند مدخل الطائرة، وتم قياس درجة حرارة جميع الركاب.

 
دخلت الطائرة وأخذت مقعدي فشعرت في تلك اللحظة بإرتياح غريب ولكنه محبب، الوطن سيكون على بعد ساعات، وأنا في إشتياق لطيبه وقسوته.

 
كانت نقطة الإنطلاق مطار هيثرو في لندن الذي رأيته لأول مرة بلا حياة وشبه فارغ، غابت الحركة السريعة المعتادة. صار ثاني أكثر مطارات العالم حركة وازدحامًا باهتًا على غير المألوف حتى السوق الحرة والمطاعم التي كانت تعج بالمسافرين، كانت مغلقة بصورة محزنة.

 
 بعد إقلاع الطائرة تم تعقيمنا بالرش، وتلقينا خلال الرحلة التعليمات الواضحة والدقيقة عن كافة الترتيبات حتى لحظة الوصول، ووزعت علينا بطاقات عليها رمز الفندق ورقم الغرفة ورقم الحافلة التي ستنقلنا الى الفندق.
 

كنت أتطلع وأراقب حركة طلابنا العائدين وعجقتهم وهم يضعون حقائبهم في الحافلات التي كانت في الإنتظار. كانت الحيوية والبهجة بادية على وجوههم رغم التعب، لا يهمهم الإنتظار الطويل.


لا تذمر أو تململ خلال الإجراءات المحسوبة التي نفذها نشامى القوات المسلحة والأمن وكوادر وزارة الصحة الأكفاء التي تتابع وتفحص وتتقصى الحالات بجدارة ومهنية، لقد كان المشهد مبهجًا للقلب ويشدد العزيمة لربما ساعد في ذلك أننا كنا متحضرين وتعرفنا على كل تفاصيل الإجراءات ونحن ما زلنا في الطائرة.

 
يقال إن أقصى ما يعانيه السجين وأصعب عقوبة يواجهها هي العزل الإنفرادي لانه يترك أثاراً وتشوهات جسدية ونفسية لا تندمل بسهولة. يعيش عالمنا زمن سجن الكورونا وهو مقلق وصعب حيث العزلة والحجر والخوف من الموت المبكر.


لكن هذه المحنة ليست كلها خسائر، لأن النظرة الإيجابية للحياة تجعل الإنسان سعيدا، وأنا أزعم أنني من تلك المجموعة التي تتأقلم سريعا مع الظروف الطارئة ومواجهة التحديات. 


ودعوني أذكر وأنا أقضي فترة الحجر والعزلة الجسدية عن العالم الخارجي بعض الجوانب الإيجابيه التي أشكر الله عليها، لانه بالشكر تدوم النعم.

 
إنها فرصة للهدوء والتأمل وإكتشاف الذات وربما معرفة المواهب الدفينة، ولعل الجانب المضىء لجائحة الكورونا ليس فقط الشعور بأهمية الأهل والأصدقاء وإنما أيضا الإنتماء والتوتصل مع الإنسانية العالمية التي تعيش نفس الظروف في مواجهة الخوف والقلق والمعاناة.


وهناك المكاسب الروحية واللجوء إلى الله الذي يستجيب للحزانى والمتألمين ويقويهم في شدتهم، وهناك إهتمام الأهل والأصدقاء والمحبين وهم كثر بحمد الله وقد إزداد رصيدي منهم وأصبحوا عزيزين على قلبي ويهمني أمرهم.

 
إحدى الصديقات العزيزات قالت لي على سبيل النكتة: شو بلشتِ تحكي مع حالك؟ لا شك أن الحجر لا يعني التحجر، والعزل لا يعني الإنعزال والإنطواء على الذات. نتخلى عن حريتنا إلى حين في سبيل صحتنا وأمننا، لا بأس.

 
تمر أيام الحجر الـ17 وأنا أجلس وحدي تحيط بي جدران غرفة الفندق وشاشة تلفزيون كبيرة، ونافذة واسعة تطل على مبنى سلطة المياة الذي ترفرف على واجهته الأعلام الأردنية فالعيد عيدين.


عيد الإستقلال وعيد الفطر، ومئات الطلبة محجورين في غرفهم يغالبهم الشوق، وربما دموع حبيسة في أيام العيد خاصة، ينتظرون لحظة لقاء الأهل والأحبة.

 
نستطيع بإرادتنا أن نقوي روابطنا مع الآخرين، وأن نستخدم وقت الفراغ الطويل الذي صار متاحًا على غير المألوف بسبب فايروس كوفيد-19 للتعلم ولنكتسب مهارات معرفية جديدة. 


ولدينا فرص أيضًا للقراءة والتسلية والرياضة بأنواعها على يوتيوب، وكلها أصبحت متاحة للجميع مجانًا، بفضل غوغل وغيره من وسائط التواصل مع المعرفة.

 
إبحث عما يناسبك، فقديمًا قال الفيلسوف اليوناني سقراط: "إعرف نفسك بنفسك".
شارك المقالة
أضف تعليق
Admin

الإعلامية لينا مشربش تكتب: رحلة عودتي من العزل إلى الحجر

الأحد، 31 مايو 2020