هل يمكن أن تكون الأخلاق سبب سعادة في أيام قاسية؟

د. نايلا طبارة - لبنان - موقع تعددية

 

نمرّ بزمن يجرّدنا من مقومات الحياة، التي اعتدناها اقتصاديًّا وسياسيًّا وصحيًّا واجتماعيًّا. فابتُلي كُلٌّ منّا بمقدار، وبأشكال مختلفة. بعضُنا فقَدَ عمله، وبعضنا فقَد ماله، وبعضنا فقد أقرباء، وبعضنا فقد حيويّته، وبعضنا فقد حبّه للحياة. 



فنرى الكثير منّا إمَّا يائسًا، وإما متألمًا، وإما حزينًا. وفي زمن الكورونا والشح الاقتصادي، لا يمكننا أن نبحث خارج أنفسنا عن الحلّ أو عمّا قد يغيّر هذا الشعور. فيزداد الإحساس بالحصار أو الانقباض.


 هناك بعض الأمور بين المرء ونفسه، يمْكن أن تعطيه فرحًا داخليًّا، من أهمها -حسب خبرتي- مساعدة مَن حوله بحسب طاقته. قد تكون مساعدةً ماديّة لمحتاج، أو اتصالًا بقريب أو صديق للاطمئنان إليه، أو تحقُّقًا من أن الجيران لا يحتاجون إلى شيء، أو إصغاءً إلى مشكلة شخص، أو اطمئنان على مريض، مكالمة شخص مهموم يعتني بمريضٍ يخصُّه لشَدِّ عزيمته… إلخ.


 أمور كهذه لا تساعد الآخرين فقط، بل تساعدنا أيضًا فيما أسميه "العمارة الداخليّة". فكلّ عملٍ مما سبق هو غذاء داخلي، يُدخل بهجةً ما صغيرة إلى قلوبنا، لأننا استطعنا أن نخفف الحمل عن أحدهم "ولو بشِقِّ تمرة". 


وأيضًا يعطينا نوعًا من راحة داخلية، وكأننا عمِلنا ما جُبلْنا عليه في فِطرتنا. بمعنًى آخر، كأنَّ إنسانيتنا تتحقق بهذه الأعمال. ففي الحديث القدسي: "كلُّ عملِ ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أَجزي به" (البخاري). 


وفي القرآن الكريم: {مَن عَمِل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم تُرْجَعُون} [الجاثية: 15]. فما نعمله من أعمال، فهو لنا، يساعدنا في عمارتنا الداخليّة، لنصبح أقرب إلى إنسانيتنا، لا إلى أي هدف آخر.


 أَذكُر عندما قال لي ابن أختي، وكان في الحادية عشرة من عمره: "أصدقائي يفعلون الخير من أجل الحسنات. وهذا يغيظني. أعملُ الخير دون سبب. أعمل الخير لأن الخير فِيَّ". 


لم يدْرِ ابن أختي آنذاك أنه يفسّر ما يقصده القرآن الكريم، بالعمل لوجه الله دون انتظار أي مقابل. وقد ركّز الصوفيون على الأعمال الخيِّرة دون انتظار مقابل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فرفضوا عبادة التجار كما رفضها الإمام علي (ر) بقوله: "إنَّ قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التُّجَّار، وإنَّ قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار".


 من الشواهد الدالة على أن الأعمال الخيِّرة هذه هي الغذاء الداخلي، حديث الكَتِف، الذي ورد فيه: "عن عائشة رضى الله عنها: أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ: ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلَّا كَتِفُها، قال: بقي كلُّها غيْرَ كَتِفِها" (الترمذي). فكان النبي (ص) قد أُهدي شاةً، ولأنه كان يحب الكتف، أبْقَت له عائشة الكتف ووزّعت الباقي على المحتاجين. فمع أنه في الظاهر ذهب الكلُّ وبقي الكتف، فإنه في "العمارة الداخلية" بقي الكل وذهب الكتف.


 لا أكتب هذه السطور للموعظة. فمنذ صغري وأنا أكره المواعظ، ولا أتحمّل أن يقال لي: "افعلي كذا لأنه يجب" أو "لا تفعلي ذاك لأنه لا يجب". 


أيضًا لم تكن تقنعني الأسباب أو الدوافع "الروحانو‑عاطفية": "افعلي كذا ليفرح الله بك" أو "لا تفعلي كذا لكي لا "يزعل" منك"؛ إذ كنتُ أرى خلفها عواطف المتكلّم مُسقَطةً على الله. 


وطبعًا، مثل ابن أختي، لم تهمّني عبادة التجار قط. لطالما أردتُ سببًا وجيهًا ومنطقيًّا وراء الأمور، وخلف أي بوصلة للأعمال. ومِن ثم، أردتُ أن أكتب هذا المقال، لأنني -في الحَجْر المفروض علينا- اكتشفتُ أن أيامي تختلف، عندما يكون فيها أعمال خيّرة، أعطاني الآخرون فرصةً لأعملها، وأنَّ هذا الخير -وإنْ ذهب إلى الآخرين- قد ملأني قبل ذلك بشيء منه، وأَنساني غمَّ هذه الأيام وهمّها.


 يقول الفيلسوف الرُّوَاقي "سينيكا": "إن ثمار الأعمال الخيِّرة، هي هذه الأعمال نفسها، وإنه لا مكافأة للفضائل غير الفضائل نفسها". أود التشديد على ما يقوله هذا الفيلسوف الحكيم الذي عاش منذ ألفي عام، وأنْ أضيف أنَّ للفضائل والأعمال الخيِّرة ذوقًا داخليًّا خاصًّا أيضًا، وكأنه تِرْياق من السلام الداخلي، ونوع من السعادة، يدعونا إلى أن نبتعد عن الأنانية والغش والشح والآفات الأخرى، لنحافظ على هذه السعادة، وأن نتجه إلى الخير لنحافظ عليها.