الأمير الحسن بن طلال، يكتب: في المحبة الشاملة وأخلاقيات التعاون

الأمير الحسن بن طلال لـ صحيفة الأهرام المصرية

 

أمام تصاعد التحديات والمشكلات التي تواجه مجتمعاتنا البشرية اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى اجتماع الكلمة وتكامل الجهود والعمل على تقديم خطاب ديني حضاري يرتقي بمجتمعاتنا ويحفزنا على التعاون والتسابق في عمل الخيرات على جميع الصُعُد.


 نؤمن إيمانا جازما بأن الغاية التي جاء من أجلها الإسلام هي نشر المودة والإحسان بين الناس، وقد نادى القرآن في مقتبل تنزيله في مكة بألا ينسى الناس المودة بينهم حتى وإن اختلفت معتقداتهم.


قال تعالى: «.. قُل لا أَسْأَلُكمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى..» (الشورى 23). ومعنى المودة في القربى لا يقتصر على أبناء الأسرة أو الديانة الواحدة وإنما يشمل كل إنسان يجمعنا به أصل البشرية مهما يكن لونه أو عرقه.


 وقد جسد النبي العربي صلى الله عليه وسلم المحبة بين الناس في حياته ودعوته وقوله، وعبّر عن ذلك بقوله :«والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تَحابُّوا»، (رواه مسلم). 


فالمحبة بين الناس هي التي تحقق معنى الإيمان وجوهره، وهي التي تجعل الإنسان جديرًا بدخول الجنة. وكلما كانت المحبة أشمل كانت أقرب الى الغاية التي أرادها الله بعباده. 


وهنا نلتقي تماما مع تلك المعاني الجميلة حول المحبة الشاملة والتي جاءت في رسالة قداسة البابا "كلنا أخوة" عندما يقول: كم أنّ عائلتنا البشريّة تحتاج لأن تتعلّم العيش المشترك في وئام وسلام دون الحاجة لأن نكون جميعًا متشابهين!


 وفيما يتحدث قداسة البابا فرنسيس عن المحبة السياسية وإعادة تأهيل السياسة، فإنني أثمن هذه الفكرة، وأؤكد أن هناك فرقًا كبيرًا بين السياسة والسياسات. 


وعندما نتحدث عن الصحة والتعليم، فإننا نشير إلى السياسات حتى عام 2050، وعندما نتحدث عن الترابط بين الغذاء والمياه، فإننا نتحدث عن السياسات أيضا. 


في الواقع، نحن نتحدث عن سياسات متعددة التخصصات، لذا، فإن إعادة تأهيل السياسة هي أيضًا إعادة تأهيل للسياسات، لأن السياسات هي أداة التنفيذ الفعلي لاستمرارية السياسة.


 يتناقض منطق الاخوة والمحبة الشاملة مع منطق القوة والاستبداد، ويشهد التاريخ الإنساني على أن الاغترار بمنطق القوة، يؤدِّي في نهاية المطاف إلى التراجع والسقوط.


ويؤكِّد القرآن العلاقة بين انهيار الأمم القديمة والشعور بنَزَعات القوة والغرور بقول الله تعالى: «فأمّا عادٌ فاستكبَرُوا في الأَرضِ بِغَيرِ الحقِّ وقَالُوا مَن أشدُّ منَّا قوَّةً..» (فُصِّلَت: 15)


 يَنتقد المسيح عليه السلام منطق الغرور بالقوة، بقوله: لأنَّ كلَّ الَّذين يَأخُذون السَّيفَ بالسَّيف يَهلِكون (متّى 26: 52). وهذا يعني أن الانتصار الحقيقي لا يكون من خلال القوة ذاتها، وإنما بإدراك استعلاء الحكمة على القوة، بما تتضمّنه من معرفة وفهم وتَعقُّل.


 إن الظلم والنزاعات بين الشعوب تزداد مع ضعف الشعور بالمشترَكات والجوامع الإنسانية بينها. والتي من أهمها التضامن مع الشعوب التي تتعرض للاحتلال والظلم والفقر والتمييز. 


وكما يقول قداسة البابا: على الذين يسعون إلى إحلال السلام في المجتمع ألّا ينسوا أنّ الظلم والافتقار إلى التنمية البشرية الشاملة لا يسمحان بتحقيقه. في الواقع، دون تكافؤ الفرص، سوف تجد مختلفُ أشكال العدوان والحرب أرضًا خصبة ستؤدّى عاجلًا أم آجلًا إلى انفجارها.


 من اليسير علينا القول بأن التنوع والاختلاف هو سمة للموجودات التي خلقها الله وأبدعها، لكن الصعوبة تكمن في فهم مقصد الاختلاف وطريقة التعامل معه، وهنا يمكن التدبر في قوله تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..» (هود: 118-119). 


فالاختلاف يعكس حرية التفكير وتعدد الاختيارات وهو يمثل غاية مقصودة في الخلق والتكوين، وكما يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره للآية لمَّا خلقهم على جِبِلة قاضية باختلاف الآراء والنزعات، وكان مريدًا لمقتضى تلك الجبلة وعالمًا به كان الاختلاف علّة غائيّة لخلقهم.


 لا يمكن الحديث عن أخلاقيات الاختلاف دون الإشارة الى فلسفة الاختلاف، فالاختلاف يضع المختلفين على مهاد واحد أمام الحقيقة وهذا يتعارض ومركزية الأنا المتماهية مع الحقيقة. 


فالاختلاف بمعناه الأعمق يتعدى النظرة الذاتية والثنائيات الحدّية ويُفضي إلى الانفتاح على التنوع واحترامه، وهذا يؤكد نسبية التفكير البشري وتفاوت إمكاناته، وهي نسبيّة لا تمثل خطرًا على قداسة الدين وإنما تمثل مقدمة للاعتراف بمسارات اجتهادية متوازية للبحث عن درجات من الصواب أو الأصوب عوضا عن اختزال الاختلاف في صراع بين الحق والباطل.


 يمهد فن الاستماع وأدب الإصغاء الطريق لعرض الآراء وتمحيص المفاهيم المختلفة بهدوء وتدبر، وهذا يمكّن الانسان من اختيار المقولات الأحسن التي تصلح حياته وترتقي بها. كما جاء في محكم التنزيل قال تعالى: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..» (الزمر:18)


 قد لا نتفق في كثير من الآراء والأقوال ولكننا ندرك ضرورة احترام الاختلاف وأهميته في تطور المعارف البشرية وتكاملها. فعندما يرتقي الناس بأخلاقهم ويحترمون اختلافاتهم فإن فرص الحوار واستثمار الاختلاف تكبر وتزداد، وكلما تراجع الاحترام بينهم فإن الاختلاف ما يلبث أن يتحول الى تنازع وافتراق.


 عندما تمتزج نزعات الاستعلاء وأجواء الكراهية فإنها تحفز رغبة كثير من النفوس في الإساءة إلى المخالفين والبحث عن أي ذريعة لإقصائهم وإسكاتهم. 


وهنا نصبح أمام بنية نفسية مستكبرة تبحث عن منظومة فكرية شمولية مغلقة تتوهم القبض على الحقيقة وتفسد أدب الاختلاف، خلافا للتواضع الذى يحترم المخالف ويبقى مجال الحوار مفتوحا.


 تظهر أخلاق الناس بأوضح أشكالها عند الاختلاف. فمن الناس من يؤدي به الاختلاف الى الخصومة والنزاع ومنهم من يزيده أدبا وإنصافا. 


ومن أحكم ما قيل في أدب الاختلاف وأخلاقياته ما كتبه الإمام الجويني في كتاب: الكافية في الجدل، في فصل سماه: في آداب الجدل، ومن أبدع ما جاء فيه: على المناظر إخلاص النية وذلك ألا يقصد بنظره المباهاة وطلب الجاه، والتكسّب والمماراة، والمحك، والرياء، ولا قصده الظفر بالخصم والسرور بالغلبة والقهر.


 وخلافا لعادة كثير من المختلفين الذين لا يبدون الانتباه لكلام المخالف ويظهرون الاستخفاف به أو الاحتقار له يقول الجويني: وعليه مراعاة كلام الخصم، وتفهّم معانيه على غاية الجد والاستقصاء . ولا يستحقر أحدهما صاحبه بما يقع له من الخطأ فى مذهب أو دلالة أو غير ذلك.


 ومن الأخطاء الاخلاقية التي تشيع بين كثير ممن يخوضون في الاختلافات الدينية، الانتقائية السلبية وتعميم الأحكام، والتي تعد مشكلة قديمة ومستمرة تنبّه إليها أبو الحسن العامري (992م) في كتابه (الإعلام بمناقب الإسلام): ألَّا يُعمَد إلى خلَّة موصوفة في فرقة من الفرق، غير مستفيضة في كافَّتها، فينسبها إلى جملة طبقاتها. 


لا بد لنا أن ندرك العلاقة الوطيدة بين تردي أخلاقيات الاختلاف وبين تفشِّي وباء التكفير بين أبناء الدين الواحد، كما هو الحال في تكفير بعض الطوائف الإسلامية أو في تكفير بعض المفكرين والادباء المعاصرين.


تمثل الصراعات السياسية منبعا لكثير من النزاعات الدينية، وهي وراء إنتاج العديد من الخطابات التسلطية والاستبدادية على مدى العصور. 


وهنا ندرك خطورة استغلال الاختلاف الديني والعبث في عواطف الجماهير وتجييشها تجاه مذهب أو طائفة. والأسوأ من ذلك هو انسياق بعض الخطابات الدينية وراء هذا التحريض بعيدا عن القيم الاخلاقية التي تنادي بها الاديان.


 الاختلاف في قراءة النص وفهمه لا يهدد قداسة النص وإنما يهدد سلطة الاستحواذ على تفسير النص. ولعل وجود قراءات مختلفة للقرآن وشرائع سماوية متعددة أنزلها الله على أنبيائه ليؤكد العلاقة التكاملية بين الوحدة والتعدد ويجعلنا أكثر حرصا على احترام الاختلاف وحسن استثماره.


 لا يمكن الكشف عن مشكلات الأفراد والمجتمعات واختلال المفاهيم السائدة دون الاستماع لهم واحترام حقهم في الاختلاف، كما لا يمكن التعرف على إبداعات المخالفين لنا عندما نجعل العداء سببا للاختلاف. فالإنسان يرغب بالتعلم عندما يستمع لمن يحترم ولا يرغب بالتعلم ممن يكره.