مرصد الأزهر في تقرير جديد: الأديان.. ضحية حرية التعبير!

اللواء اللبنانية

 

تعدّ حرية التعبير من الحقوق التي كفلتها الشَّريعة الإسلاميَّة، ولكن قد يُساء استخدام هذا الحقّ في كثيرٍ من الأوقات؛ ذلك أنه في بعض الأحيان، يُزجُّ بهذا المصطلح من أجل الهجوم على أصحاب الديانات أو المعتقدات المختلفة. 



وقد يكون السَّبب في هذا الهجوم أيديولوجيّا أو سياسيّا أو دينيًّا. ولكن أيَّا ما كان السَّبب، يجب علاج هذه الظَّاهرة من خلال التركيز على إبراز بعض الحقائق الخاصَّة بالمصطلح. ومن ثم نُسلِّط الضَّوء في هذا المقال على نشأة المصطلح، وموقف الإسلام منه، وكيف يستغله المتطرفون في نشر أفكارهم، والإساءة إلى مقدسات الآخرين.


 وقبل الخوض في الحديث عن حرية التعبير، ينبغي أولًا الإشارة إلى أن الإسلام أبطل العبوديَّة لغير الله تعالى، وأنهى القهر والظُّلم الذي كان قد تفشَّى في أرجاء الجزيرة العربيَّة قبل البعثة، وأعطى الإنسان كامل الحريَّة في الانتماء إليه، قال تعالى: {وقل الحقُّ من ربِّكُم فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.


وأعلن الإسلام صراحة أن الإكراه على اتِّباع الدّين أمرٌ غير مقبولٍ على الإطلاق، قال تعالى: {لا إكراهَ في الدِّين}. ومن هنا، نجد أن الحرية حق أصيل يُقرُّه الإسلام، ويدعو أتباعه إلى السَّير وفقه، وذلك قبل أربعة عشر قرناً من الإعلان عن حقوق الإنسان التي أقرَّتها الأمم المتَّحدة. وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ الإسلام يكفل الحريَّة، ويؤكد عليها منذ بزوغ شمسه.


 وهناك نصوص إسلاميَّة صريحة من القرآن والسُّنة، تؤكَّد أهمية حرية التعبير، ولا تقتصر هذه النصوص على الاعتراف بحرية التعبير فحسب، بل تدعمها وتطالب بالالتزام بها. وهذا يؤكّد أنَّ حرية التعبير حقّ أصيل شرّعه الله، ولم يُشرَع نتيجة لتطوّر زماني أو مكاني.


 تنظيم الحرية

وقد برزت مكانة هذه الحرية في العصر الحديث بعد أن نظَّمتها المنظمات الدوليَّة في إطار قوانين وضعيَّة أو إعلانات أو لوائح؛ حيث تنصّ المادة التاسعة عشر، من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان.


الذي اعتمدته الجمعية العامَّة للأمم المتَّحدة، على أن «لكلِّ شخص حقَّ التمتُّع بحرِّية الرَّأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار، وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيِّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود».


 ويتجلَّى من هذا التعريف أن ثمَّة اتفاقاً بين التعاليم الإسلاميَّة والمؤسسات المهتمة بحقوق الإنسان فيما يتصل بحرية التعبير، لكنَّ هذا الأمر يقودنا إلى معرفة ما إنْ كان هذا النوع من الحرية مطلقة أم مقيّدة.


 ولا شكَّ أن الحرية بكل أنواعها لها قيود محدَّدة تقف عندها؛ إذ تقف حرية الفرد عند حرية فردٍ آخر. وتؤكّد الشريعة الإسلاميَّة على الالتزام بمراعاة حقوق الآخرين وعدم الاجتراء على انتهاكها.


بل إنها تَعتبر المساس بهذه الحرية تطرفاً غير مقبولٍ؛ ذلك أن الاعتداء على حقوق الآخرين يؤدي بالفعل إلى النزاع والصراع الذي يقود بدوره إلى إشعال فتيل الفتنة، وإثارة العنف في أوساط المجتمعات والأوطان.


 ومن الأمثلة على الاستخدام السيئ لحرية التعبير، ما تفعله التنظيمات الإرهابيّة، على غرار تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الأخرى، من هجوم على غير المسلمين العُزَّل لا لشيءٍ إلا لأنهم يخالفونها في الرَّأي أو المعتقد.


 ويتضح ذلك جليًّا في إساءة استخدام النصوص الدينية التي تؤكد تعددية الآراء واختلاف وجهات النظر، منها قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين}، وقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.


 يتضح من هاتين الآيتين أن الاختلاف، سواء في الرأي أو الاعتقاد، وتنوّع الثقافات وتعددها من بين القيم التي تتشاركها الأمم والبلدان وتؤكدها تعاليم الإسلام السمحة، وأن هذا التنوّع من مظاهر قدرة الله تعالى، وقديماً قالوا «الاختلاف لا يؤدي إلى الخلاف».


 ولكنَّ داعش ومثيلاتها من التنظيمات الإرهابية تجاهلت هذه النصوص القرآنية وأخذت تبث سمومها وتسيء إلى تعاليم الدين الحنيف من خلال هجماتها الإرهابية على المخالفين لها في الفكر أو المعتقد، معتمدة في ذلك على اقتطاع بعض النصوص الدينية من سياقاتها التاريخية والثقافية.


مثل قوله تعالى {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} دون مراعاة الوقت والزمن والحالة التي كان عليها المسلمون وقت نزول الآية، حيث ذكر المفسِّرون أن هذه الآية نزلَت في صلح الحديبية عندما منع المشركون دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه البيت الحرام، ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين صلحاً على أن يرجع إلى المدينة ويعود إلى مكة العام المقبل ليطوف بالمسجد الحرام.


 فلمَّا جاء الموعد، خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تصدَّه قريش ويمنعوه وأصحابه عن البيت الحرام، ويقاتلوه فأنزل الله تعالى هذه الآية لتبيح قتال المشركين إذا بدأوا بالقتال كما أشارت الآية السابقة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.


 ولكنَّ تنظيم داعش الإرهايي بدأ يدعو أتباعه إلى الهجوم على غير المسلمين ودور عبادتهم، ومن بين هذه الهجمات الهجوم على كنائس العاصمة السيريلانكية «كولومبو» عام 2019 الذي أسفر عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة آخرين.


 المسلمون الأكثر تضررًا

لكن هجوم هذه الجماعات وتكفيرها للمخالفين لها لم يقتصر على غير المسلمين فحسب، بل كان المسلمون أكثر المتضررين من اعتداءات هذه الجماعات وهجماتها داخل البلدان ذات الأغلبيَّة المسلمة؛ إذ اقتطعت هذه الجماعات أيضاً نصوصاً دينية.


منها قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}، من أجل وصم بعض القيادات الدينية والسياسية في العالم العربي بسبب احتكامهم إلى القوانين الوضعية وبطلان منهجهم وعدم احتكامهم إلى ما أنزل الله.


 على سبيل المثال، أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن تنفيذ هجوم على مسجد الروضة بالقرب من منطقة بئر العبد في محافظة شمال سيناء في مصر.


ما أسفر عن استشهاد 305 مصلياً و128 مصاباً؛ إذ وصف مراقبون هذا الحادث بأنه من بين الأحداث الإرهابية الأكثر عنفًا التي وقعت في مصر في العصر الحديث.


 وهذا دليلٌ واضحٌ على أن هذه الجماعات والتنظيمات المتشددة لا تُفرِّق بين مسلمٍ وغيره، بل إنها تنفذ أجندات لا تمَّت لاحترام الأديان بصلة.


 حادثة الرسوم المسيئة

كما لم تسلم الرُّموز الإسلاميَّة من هجوم المتطرفين من غير المسلمين بحجَّة حرية التعبير؛ إذ أعادت صحيفة «شارلي إبدو» الشَّهيرة، على سبيل المثال، نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محـمد صلى الله عليه وسلم.


وعلى الرَّغم من الإدانات التي طالت هذه الرسوم من جانب المؤسَّسات الإسلاميَّة، وعلى رأسها الأزهر الشَّريف، إلا أن المجلة دافعت عن هجومها مؤكَّدة على لسان رئيس تحريرها، لوران سوريسو، أنها «لا تشعر بالأسف على إعادة نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية».


 ولعلَّنا نجد لزاماً علينا هنا الإشارة إلى ما قاله شيخ الأزهر في ذكرى الاحتفال بالمولد النَّبوي الشَّريف، إذ أوضح فضيلته - تعليقاً على الأحداث الأخيرة التي شهدتها فرنسا من نشرٍ للرُّسوم الكاريكاتورية.


أن هذه الرُّسوم المسيئة لنبيِّنا العظيم التي تتبنَّاها بعضُ الصُّحف والمجلات، بل بعض السياسات هي عبثٌ وتهريجٌ وانفلاتٌ من كلِّ قيود المسؤوليَّة، والالتزام الخُلُقي والعرف الدوليّ والقانون العام، وهو عداءٌ صريحٌ لهذا الدِّين الحنيف، ولنبيِّه الذي بعَثَه الله رحمةً للعالَمين.


 يتَّضح ممَّا سبق أن الله كرَّم الإنسان على سائر المخلوقات، وجعل من مظاهر تكريم الإنسان ما كفلته الشَّريعة الإسلاميَّة الغرّاء، من حرية التعبير التي لا ينبغي أن تتعارض مع حريات الآخرين.


وأنَّ استغلال هذه الحرية في التشهير بالمقدسات الدينيَّة المختلفة لا تقبله تعاليم الشَّريعة الإسلاميَّة، ذلك أن هذا التشهير يؤثر سلباً على أمن المجتمعات وسلامتها ووحدتها، ويؤدي إلى الفوضوية التي تبثّ الفرقة بين أتباع الديانات المختلفة، ويساعد أصحاب الفكر المنحرف في نشر أفكارهم الهدَّامة بين الناس.