ما بعد الانتخابات البرلمانية المصرية (1-2)

 دكتور أسامة لويس المصراوي

أَمَا وقد انتهت الانتخابات البرلمانية –بكل ما لها وما عليها- ودعا رئيس الجمهورية مجلس النواب للإنعقاد يوم الثلاثاء القادم 12 يناير 2021، فقد انتهت مرحلة بكاملها أَلَا وهي الفترة "الانتقالية الثانية" المُمتدة من 8 يونيو 2014 حتى الآن، بعد الفترة "الانتقالية الأولى" التي امتدت من 25 يناير 2011 إلى ما قبل الانتخابات الرئاسية 2014.



ولكلِّ مرحلةٍ منهما ما يبرر وجودها, ولكنْ ليس مقامُ هذا المقال تبيانَ مبرراتها المنطقية أو تفصيلَ حتميتها التاريخيِّة. بل سيُخصَّص هذا المقال وما يليه على طبيعة المرحلة القادمة والتي نأمل ونتوقع أن يكون عنوانها هو "كيفية" تأصيل التجربة الديموقراطية وتسريع مسارات التحول الديموقراطي سياسيا وحزبيا وحقوقيا.

ولكن إجمالاً, لقد كانت المراحل الانتقالية حتمية للتعامل مع ثلاث قضايا, أولها محاربة الإرهاب, وثانيها إعادة بناء مؤوسسات الدولة, وثالثها ملف الإصلاح الاقتصادي.

وإنْ اتفقتَ معي قاريء العزيز على فرضية انتهاء المراحل الانتقالية التي كانت ضرورية حينها, فأظنك تتفق معي أيضا على ضرورة رفع الحظر الذي كان مفروضا جزئيا على الممارسة السياسية والحزبية الحرة اتصالاً بطبيعة المراحل الانتقالية. وليس الأمر متعلقا بضغوط خارجية بل ينبغي أن ينبع من إرادة وطنية حرة ومستقلة, وعن اقتناع ذاتي بأن التغيير الحقيقي قد آن أوانه.


أَمَّا المخاوف والهواجس التي كان يمكن استيعابها وتفهّمها وقت المراحل الانتقالية لا يمكن استساغة التحجج أو التلويح بها في وجه الداخل أو الخارج على السواء في الوقت الحالي. 

نعم كانت هناك مخاوف وجودية على كيان الدولة نفسها عندما كانت الدولة رخوة بُعَيْد السيولة المجتمعية بعد انتفاضتَيْن, وكانت هناك هواجس من تسلل جماعات العنف والإرهاب واختراق تنظيم الإخوان للمعارضة الوطنية, ولكننا تجاوزنا تلك المراحل الآن واستعادت الدولة دعائم قوتها واستقرارها.

لقد وضعنا لَبِنَة في البناء الديموقراطي باستكمال بناء السلطة التشريعية متمثلةً في مجلسَيّ النواب والشيوخ, ولكنه يظل –من وجهة نظري على الأقل- مجرد بناء (شكلي) لاستكمال "المظهر الديموقراطي" لم تُصاحبه ممارسات اجرائية سياسية وحزبية سليمة تضمن تكافؤ الفرص وتتفق وقواعد اللعبة الديمقراطية النزيهة والشرعية.


بناء فوقي لا قاعدي فالاختيار لم يكن واعيًا ومسؤولاً وحرًا تمامًا, فضلاً عن استبعاد غير مباشر لكفاءات محتملة بقانون انتخابي مُجحِف ومُفصَّل تفصيلاً. نعم  اكتمل المبنى -الشكل الدستوري- ولم يكتمل المعنى بعد بتفعيل مواد الدستورعلى أرض الواقع سياسيا ومجتمعيا.

إننا بحاجة ماسَّة إلى مجاوزة الشكل إلى المضمون وتخطِّي المظهر إلى الجوهر في ظل متغيرات دولية متطردة وضاغطة, ربما نحتاج إلى سنوات من العمل الدؤؤب المتواصل لترسيخ الممارسة السياسية والحزبية على الأرض حتى تتأصل وتنضج التجربة الديموقراطية وعلينا أن نبدأ الآن دون تباطؤ أو تلكؤ أو تراخٍ. 

ولكن هذا مرهون بأن تكون الدولة جادة في مسعاها للانتقال الديموقراطي وإحداث تغيير حقيقي عميق ودائم في البِنَى السياسية والحزبية والحقوقية والمجتمعية.


وليكن العفو عن سجناء الرأي والحزبيين بمناسبة ذكرى حراك 25 يناير, ممن لم يحملوا سلاحًا ولم تتلوث أيديهم بدماء الأبرياء, بل كان سلاحهم هو القلم وإن أصابه شططٌ وتجاوزَ أحيانًا.

ليكن بمثابة مبادرة حُسْن نوايا من الدولة تجاه القوى السياسية –التي دائمًا ما تشكو التهميش- والتي بالمقابل أيضًا الرهان عليها أن تكون في وضع الاستعداد الإداري الداخلي والجاهزية الحزبية التنظيمية للتجاوب الفعَّال والمسؤؤل مع هذا التوجه وتلك المبادرات. والسؤال الآن: بأي صيغة تفاهم دائمة يتم التلاقي بين الدولة والأحزاب السياسية؟

وللإجابة على هذا السؤال, يجب أن يأخذ الجميع في الحُسبان أنْ لا بديل أمامنا إلا الاصطفاف الوطني والتوافق على خطوط عريضة ومباديء أساسية لتنظيم العمل السياسي في المرحلة القادمة.


سيظل الدستور والقوانين واللوائح مجرد مواد صمَّاء لا تدب فيها الحياة ما لم يجلس الجميع سويا ويتفقوا.. النظام الحاكم والأحزاب المدنية سواء كانت مُمثَّلةً في البرلمان أو غيرَ ممثلةٍ.. مؤيدة أو معارضة.. يتفقوا على مباديءَ حاكمةٍ لا يحيد عنها أحدٌ.

ونترجم تلك المباديء إلى بنود في "وثيقة وطنية" توقِّع عليها جميع الأحزاب المدنية الشرعية, وثيقة لها "مكتب تنفيذي" مُختار من الأحزاب المشاركة, وبمثابة ضمانة  والتزام حزبي أمام المكتب والأعضاء والمواطنين والدولة.

فما طبيعة تلك البنود والالتزامات الحاكمة؟ هذا ما سُيجب عنه المقال التالي.