الألغام تزول والمحبة تسود.. قصة مكان، تلخص حكاية أزمان المعمودية

الأب ابراهيم فلتس الفرنسيسكاني

إحتفال عماد الرب في هذا العام، والذي أقيم في العاشر من كانون الثاني، كان احتفالاً مميزًا بكل معنى الكلمة، ومختلفًا عن كل الاحتفالات السابقة في السنوات الماضية. فرغم أن مضمون الاحتفال الروحي واحد والذكرى واحدة، لكن الإطار جاء مختلفًا وذلك لاختلاف ما تشهده أرضنا المقدسة من تقلبات ومتغيرات.


فقدسية المكان وسحره، ورمزيته وتاريخه، انتصرت على ما زرع فيه عبر سنوات الحرب الأولى من ألغام، ألغام صنعها الإنسان ضد أخيه الإنسان، ألغام زرعها معتقدًا أنه يحمي بها نفسه ويحقق لنفسه السلام والطمأنينة التي يراها ويريدها. 

والألغام هنا، ليست فقط ما تم زرعه في الأرض منتظرًا الضحية المقبلة، بل ما زرع منها في القلوب عبر عقود من الحروب والدماء، وهذه أخطر. فهذه الألغام لا تنتظر الضحية بل تذهب إليها. احتفال هذا العام يطوي صفحات قصة سوداء امتدت لعقود، ليفتح صفحة جديدة فيسفر حكاية المكان.

إنها قصة مكان، تلخص حكاية أزمان، ولعلها تشكل ذلك الضوء الذي يسعى اليه كل من يعيش داخل نفق مظلم، زاد من حلكة ظلامه وباء فتك بالبشرية حتى كاد أن يفقدها الأمل.


وهي قصة تاريخ عميق، وآخر حديث، قصة صمود وشهادة حية، قصة تثبت أن المحبة تسود، والألغام –مهما اختلفت أنواعها- تزول. 

من أرض البدايات نبدأ، من أرض صحراوية في شرقها نهر، وفوقها سماء فتحت في لحظة ليصدح صوت ملك الزمان والمكان مبشرًا البشرية جمعاء بأن: "هذا هو ابني الوحيد فله اسمعوا"، لتبدأ الحكاية، حكاية المكان الذي يلخص كل الأزمان.

نهر يدعى الأردن، ينبع من جبل الشيخ في نهاية سلسلة لبنان الشرقية ليسير جنوبًا عابرًا بحيرة كانت موجودة وتدعى الحولة، لينتقل بعدها إلى بحيرة أخرى لا تزال موجودة تدعى طبريا، ليكمل مسيره في شكل نهر باتجاه بحر، لا يوجد له مثيل في العالم ويدعى، البحر الميت.


وكأني بمسيرة هذا النهر تمثل حياة الإنسان والبشرية من المهد إلى اللحد وما بينهما. ولكن توجد بقعة مميزة من ذلك النهر، شهدت نزول شخص في مائه، شخص قلب الزمان والتقويم بمولده. جاء هذا واعتمد على يد من بشّر به وانتظره كثيرًا، زاهدًا ناسكًا متقشفًا، معترفًا بأنه ليس أهلاً لأن يحل رباط حذائه. 

ففي تلك البقعة إعتمد ربنا وسيدنا يسوع المسيح على يد يوحنا المعمدان. وكأني بهذا العماد يغير مصب نهر الأردن من الموت في البحر الميت، إلى مصب جديد فيه حياة أبدية.

يشهد هذا الموقع، احتفالاً ومسيرة سنوية ينظمها الآباء الفرنسيسكان في موقع ذكرى عماد الرب في شهر كانون الثاني من كل عام احتفالا بهذه المناسبة. 


وقد ورد أول ذكر لهذا الموقع، بصفته المكان الذي فيه تمّ عماد الرب، في مذكرات حاج من العام 571، وثق في مدوناته رؤيته لصليب على عمود من رخام وسط نهر الأردن في إشارة الى موقع عماد السيد المسيح. 

وقد توالت مدونات الحجاج التي وثقت كل ما شاهدوه وعاينوه خلال رحلات الحج الفرنسيسكانية إلى الموقع منذ العام 1641.

عام 1920، قام الرهبان الفرنسيسكان بشراء قطعة أرض على ضفة النهر بالقرب من موقع العماد حيث شيّدوا كنيسة صغيرة. وفي 11 حزيران 1935 تم تدشين كنيسة القديس يوحنا المعمدان.


وعلى أثر ما أصاب المكان من دمار، إثر الزلزال الذي هز فلسطين في العام 1956، قامت حراسة الأراضي المقدسة بترميم الكنيسة في شهري حزيران وتموز من العام 1956 ليتم تدشين الكنيسة والموقع في حلتها الجديدة يوم 18 كانون أول من العام 1957. 

ولكن في العام 1967 وعلى أثر حرب الأيام الستة، تم إغلاق المكان عسكريًا وزرعه بالألغام الأرضية المضادة للأفراد والمركبات. 

ليدخل الموقع بهذا الحدث الجلل مرحلة جديدة لا تحمل في طياتها سوى الإغلاق والعزل والحرمان الذي استمر حتى العام 2011 حينما سمح بفتح جزء محدود من الموقع الكبير أمام الحجاج، وكانت تلك إشارة بانطلاق عملية ازالة الألغام الموجودة.


ومع استكمال ازالتها في العام 2019، واصلت حراسة الأراضي المقدسة مطالبتها بعودة المكان إلى وضعه الطبيعي. مطالبات ومتابعات لم تتوقف منذ اللحظة الأولى، فهذه رسالة الرهبان الفرنسيسكان ومهمّتهم التي أثبتوا عبر العصور أنهم أهل لها، أهل لأن يكونوا حراس الأماكن المقدسة وحرّاس لأبناء الأرض المقدسة، يبذلون الغالي والنفيس، حتى الشهادة، في الذود عنها. وقد كتب التاريخ ولا يزال، شهد قديمًا ولا يزال. 

وتم إرفاق تلك المطالبة بمقترح لترميم المكان وتطويره، لجعله واحة من أجل الصلاة، تتضمن الى جانب ترميم الموجود من كنيسة ومباني أخرى، إضافة مرافق خدماتيّة ومساحات خاصة بالتأمل والصلاة، تسمح للإنسان بلقاء أخيه الإنسان والاختلاء بخالقه في خلوة الصحراء وعبق تاريخها، ومع أخيه الإنسان على ضفة نهر شهد انطلاق عهد المحبة والتعاون والسلام بدلا من الحقد والكراهية والحرب.

وكان لهم أن حققوا مطلبهم هذا العام، الذي شهد استرجاع الموقع كاملا، وانطلاق هذا المشروع الضخم، الذي سيجعل من الموقع واحة لقاء وتلاقي وسلام وصلاة، محط أنظار أهل هذه الأرض أولا، وحجاج العالم أجمع ثانيًا. 


وعليه، كيف يمكن لاحتفال هذا العام ألا يكون حدثًا فريدًا وتاريخيًا! وقد فُض الختم عن سجل القداديس الذي أغلق قبيل حرب الأيام الستة عام 1967، وفُتِحَتْ صفحةً جديدة من صفحات المكان، بتوقيع حارس الاراضي المقدّسة اسمه بعد انتهائه من الاحتفال بالقداس الإلهي، وذلك بعد انقضاء 54 عامًا وثلاثة أيام بالتمام والكمال.

وانتهت الحروب والصراعات والنزاعات، ورُفِعت الألغام والعزلة والإغلاق، وها هي تشهد هذا العام انفتاحًا وانفراجًا ورؤية جديدة تبعث الأمل في القلوب من جديد. 

إنها شهادة حية، بأن المحبة التي انطلقت في العالم بعد عماد أمير المحبة والسلام في نهر الأردن، لا محالة سائدة، مهما طال الزمان، وأن الألغام الأرضية والعقلية والقلبية زائلة بدورها لا محالة.


فهي قصة مكان، بدأت في العام 1920 بفكرة وخطة وعمل، ليعاد اليها الأمل وتبعث فيها الروح من جديد هذا العام، بعد مائة عام. فهي إذن قصة مكان عمره مائة عام، يلخص أزمان.