القسّ حبيب بدر: على الرغم من كلّ العوائق، ما زال السعي نحو الوحدة حثيثًا

مجلس كنائس الشرق الأوسط

دورنا الأساس أن نشهد ليسوع المسيح يشكّل "أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين" الّذي يحتفل به المسيحيّون حول العالم بين 18 و25 كانون الثاني من كلّ سنة، محورًا أساس في صلب رسالة مجلس كنائس الشرق الأوسط الّذي يسعى منذ تأسيسه عام 1974 إلى بناء الجسور بين المسيحيّين والكنائس في الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم.


ولهذه المناسبة، التقت دائرة التواصل والعلاقات العامة في المجلس رئيس الاتّحاد الإنجيلي الوطني في لبنان، ورئيس مجلس كنائس الشرق الأوسط عن عائلة الكنائس الإنجيليّة القسّ د. حبيب بدر إفتراضيًا، حيث سلّط الضوء، خلال اللّقاء الإلكتروني، على أهميّة وتاريخ هذا الأسبوع، وعلى دور الحركة المسكونيّة لا سيما في الشرق الأوسط والعوائق الّتي تواجهها.

 

بدايةً، ما هي أهميّة "أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين" وكيف تصف أهدافه؟

منذ عام 1908 بدأت الكنائس المسكونيّة حول العالم بما فيها الكنيسة الكاثوليكيّة بالاحتفال بأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين، حيث بدأ بهذا التقليد السنويّ الراهب الكاثوليكيّ الفرنسيسكانيّ بول واكسن. 

علمًا أنّ الأخير ينتمي إلى خلفيّة أسقفيّة أنغليكانيّة، انضمّ لاحقًا إلى الكنيسة الكاثوليكيّة ومن ثمّ إلى الرهبانيّة الفرنسيسكانيّة. بعد مرور أعوام عدّة، انضمّت الكنائس الإنجيليّة ذات التوجّه المسكونيّ إلى الكنيسة الكاثوليكيّة للإحتفال بهذا الأسبوع. 

وعقب تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948 الّذي يضمّ الكنائس الأرثوذكسيّة والإنجيليّة ذات التوجّه المسكوني قرّرت كلّ الكنائس المشاركة في احتفالات هذا الأسبوع المخصّص للصّلاة من أجل الوحدة.

الفكرة الأساس من عنوان هذا الأسبوع "الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين" أو وحدة المسيحيّة، تكمن في الصّلاة من أجل توحيد المسيحيّين ليتمّ بالتّالي توحيد الكنائس، وهذا يعني أن نجتمع معًا ونتّحد بالصّلاة. 

كما أنّ الوحدة تتجسّد أيضًا بالعقائد والحوارات اللّاهوتيةّ، الّتي شكّلت موضع اهتمام كُثر من المعنيّين حيث تمّ تطوير مشروع أو مسار وحدة الكنائس ليضاف إلى الصلاة الحوار حول العقائد الأساس الّتي بإمكانها أن تساهم في تقريب الكنائس من بعضها، آملين أن تتحقّق الوحدة بشكل متكامل.


ما رأيك بالحركة المسكونيّة وكيف انخرطت فيها؟

من يعرفني يعلم أنّني من المهتمّين بالحركة المسكونيّة منذ عمر صغير وحتّى اليوم. وهنا أعترف أنّ مُلهمي في هذا المجال هو د. شارل مالك الّذي كان أستاذي عندما كنت طالب فلسفة في الجامعة. مالك شخصيّة مسكونيّة بامتياز وهو من الّذين ساهموا وسعوا إلى نجاح اللّقاء التاريخي الّذي جمع قداسة البابا بولس السادس وغبطة البطريرك الأرثوذكسيّ المسكونيّ أتيناغوروس عام 1964 في الأراضي المقدّسة؛ وذلك عقب 900 عام من انقطاع التواصل والعلاقات بين الكنيستين. 

كما أنّ شارل مالك علّمني وعمّقني في إيماني الإنجيلي، وألهمني للدخول في عالم اللّاهوت حيث قمت بالانضمام إلى سلك القسوسيّة، وإلى الحركة المسكونيّة عام 1973. 

كما أنّني شاركت في أعمال مجلس كنائس الشرق الأوسط منذ انعقاد جمعيّته العامة الثالثة عام 1980 في قبرص، وما زلت حتّى اليوم أنتمي إليه كرئيس له عن العائلة الإنجيليّة. 

إذًا، العمل المتواصل في الحقل المسكونيّ شكل وما زال شغفًا بالنسبة لي، على الرّغم من مرحلة الجمود الّتي يمرّ بها اليوم ومن وجود بعض الأشخاص الّذين خاب أملهم في التقدّم المسكونيّ، خصوصًا بعد الزخم الّذي شهده القرن العشرين. 

أمّا أنا فأعلم بالعوائق الّتي نواجهها وبأنّ الوحدة تتطلّب وقتًا طويلًا كي تتحقّق، لكني ما زلت ملتزمًا بشكل كامل بالمجلس وبالحركة المسكونيّة.


على الرغم من وحدة جوهر الإيمان، ما الّذي يحول، بحسب تجربتك وخبرتك، دون وحدة المسيحيّين خصوصًا في الشرق الأوسط؟

شارك المسيحيّون في العالم وفي الشرق الأوسط منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت، في الحوارات العالميّة الّتي جرت بين الكنائس الأرثوذكسيّة والأرثوذكسيّة الشرقيّة والكاثوليكيّة والإنجيليّة وحتّى الكنيسة الآشوريّة على الرغم من أنّها ليست عضوًا في المجلس. 

تمحورت هذه الحوارات العالميّة حول المسائل الإيمانيّة والعقائديّة، لكن عددًا كبيرًا منها قد شارف خواتيمه. فبعد قرابة 70 عامًا من الحوار تمّ إصدار العديد من الوثائق الّتي أدّت إلى هذه النهاية، واصبح السؤال اليوم: ماذا نفعل بهذه الحوارات؟ 

إذْ، أعتبر أنّ أحد الأسباب الّتي تعيق الحركة المسكونيّة، عالميًّا، هو العمل الّذي يقوم به اللّاهوتيّون والناشطون في هذا المجال من أجل تحديد الخطوة المقبلة الّتي يجب على الكنائس اتّباعها كي توضع الاتّفاقات، الّتي تمّ البحث بها عقب هذه الحوارات ومن خلال كلّ ما كُتب، قيد التنفيذ.

أمّا في الشرق الأوسط فالعوائق مختلفة، وأوّلها الضغط الهائل الّذي يواجهه المسيحيّون لأسباب عدّة، كالهجرة والاضطهاد والأزمات الإقتصاديّة... خصوصًا في لبنان وغيره من الدول. 

إذْ، تؤدّي هذه الظّروف العصيبة إلى نقص في عدد المكوّنات المسيحيّة، وهذا ما يشكّل عامل ضعف يؤدّي إلى تأخير حتى التفكير بالعمل من أجل الحركة المسكونيّة. 

وذلك يتجسّد إمّا من خلال الهجرة ومغادرة منطقة الشرق الأوسط أو جرّاء الوقت الّذي يمضيه المسؤولون المسيحيّون في خدمة شعبهم المسيحيّ... ومساعدته في تأمين مستلزمات الحياة الضروريّة ومساندته طبيًّا وتربويًّا.

بدلًا من تنفيذ وتنظيم حوارات وصلوات مشتركة مع بعضهم أو السعي إلى تقريب وجهات النظر بينهم. من هنا، ألاحظ في السنوات الأخيرة الفائتة أنّنا أمضينا 90% من وقتنا بالقيام بأنشطة لا علاقة لها بالوحدة بالمعنى التقليدي، بل بالعمل على تأمين ضروريّات الحياة من دون أن نذكر الهجرة الّتي ارتفعت نسبتها خصوصًا في لبنان عقب انفجار مرفأ بيروت.

إذًا، على الرغم من كلّ هذه العوائق، ما زال السعي نحو الوحدة موجودًا وحثيثًا، وأنا متأكّد أنّه بإمكاننا الإستفادة من مجالات عدّة. 

علمًا محاولات عدّة أطلقت في لبنان، من خلال محطّات ومبادرات مختلفة، للعمل من أجل وحدة المسيحيّين وحتّى لتوحيد الأعياد والصّلوات في مناسبات معيّنة، خصوصًا في شهر آذار، في عيد البشارة حيث نتّحد معًا كمسيحيّين في الصّلاة وحتّى مع إخوتنا المسلمين.

لكن الهمّ الحياتيّ يشكلّ اليوم أكبر العوائق في وجه التقدّم المسكونيّ، ويؤثّرسلبًا على الحركة المسكونيّة والدعم المادي لها، لأنّ تفعيلها يتطلّب إجراءات عدّة كالسفر والاجتماعات المختلفة...

إذًا اهتمام الكنيسة اليوم بالمسائل الحياتيّة الأساسيّة أدّى إلى تراجع نسبة الإهتمام بالتحرّك المسكونيّ، لكن لا خوف من مستقبل الحركة المسكونية بالتأكيد! 


كما سبق وذكرت فان الوجود المسيحيّ مهدّد في الشرق الأوسط بسبب عوامل عدّة، فما هي التوصية الّتي تقدّمها اليوم إلى المسيحيّين في هذه المنطقة؟

المشكلة اليوم تكمن في الضعط الّذي يواجهه المكوّن المسيحيّ كما هي حال العديد من الجهات، بسبب الأزمات الإقتصاديّة والسياسيّة... علمًا أنّ عدد المسيحيّين أقلّ من سائر المكوّنات في هذه المنطقة. 

أمّا الطريق نحو الحلّ فيتجسّد بحثّ القيادات المدنيّة للعمل من أجل السلام، بناء دولة مدنيّة، إقرار قانون مدنيّ، تحقيق الديموقراطيّة، سيادة القانون، الحفاظ على الحريّات، ومن أجل كلّ هذه العوامل الّتي تصنع دولًا تحمي شعوبها وتحفظ حقوقهم. 

إذْ، ليس لدينا الإمكانيّة لتحقيق دولة مسيحيّة، لذلك من الضرورة العمل على بناء دولة مدنيّة تحمي المسيحيّين وجميع المواطنين بالتساوي. لكن لا تقع هذه المهمّة على عاتق الكنيسة لأنّه ليس من شأنها العمل السياسي وسنّ القوانين.

بل على عاتق القيادات المسيحيّة وغير المسيحيّة حيث يكمن دورهم في تحقيق دولة مدنيّة تضمن الحريّة والمساواة والمواطنة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان لكل مواطنيها ولأي ديانة انتموا.

 كما أنّ هذه القضايا تصبّ أيضًا في اهتمامات الحركة المسكونيّة ومجلس كنائس الشرق الأوسط، لكن من الضرورة التعاون مع المسؤولين من أجل تحقيق الأهداف المرجوّة، والّا نقع في دائرة التخوّف. لكن في النهاية دورنا الأساس هو أن نشهد ليسوع المسيح من خلال كلّ الوسائل المتاحة لنا".