رسالة الكورونا في العام الجديد

إقبال الغربي - تونس - تعددية

يشهد العالم هذه الأيام ميلاد عام جديد، ورحيل سنة ماضية لم تكن سنة عادية، بل كانت استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من مَعانٍ. فنحن نعيش إنهاءَ العالم تدريجيًّا لأوسع عملية حجْر صحي في تاريخ البشرية.



ثم إننا لا نزال وإلى اليوم تحت صدمة صُوَر الشوارع والساحات الفارغة والمخيفة، وأماكن العبادة الخالية والمهجورة، والمدارس والجامعات الصامتة والمغلقة.

يفرض علينا العام 2021 الجديد تحديات فكرية، وتساؤلات أخلاقية جديدة وجِدِّيَّة، لأن الواقع كان أغرب من الخيال. إنَّ أول ما ظهر للعيان، هو أن الإنسانية في هذه الحقبة -وأمام تفشي جائحة الكورونا.

أعطت الصحة والحاجيات الأساسية الأولويّةَ، على أنقاض مستلزمات الرأسمال القائم على الإنتاج والإنتاجية، وخلق الحاجيات الاصطناعية والمَشهدية. 


وهو الأمر الذي حدا بنا إلى وضع العولمة الليبرالية موضع سؤال، وهو ما عاينه بعض المفكرين من أمثال إدغار موران وهابرماس، في مقالاتهما في جريدة لوموند الفرنسية.

هذا الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، يُحمِّل العولمة مسؤولية ثقيلة. فهو يؤكد لنا أن صدمة جائحة الكورونا فضحت زيف العالم الذي نعيش فيه، وبينت أن العولمة اختُزلت في شبكة من المعاملات التجارية، في اقتصاد مفتوحٍ بعضُه على بعض، دون أي تضامن حقيقي بين الشعوب. 

فقد وفرت العولمة حتمًا الاندماج التقني والاقتصادي للكوكب، لكنها لم تبْنِ جسور التفاهم والتناغم بين المجموعات.


أيضًا الفيلسوف الألماني هابرماس المُناصر لِلِّيبرالية، في نظريَّتَيْه “الأخلاق المناقشة” و”الفعل التواصلي”، أقرَّ بضرورة العودة إلى مفاهيم اعتقَدْنا أنها بصدد الأفول، كمفهوم السيادة والدولة الراعية، والدفاع عن الخدمات العمومية ضد الخَوْصَصة، وضرورة صياغة منوال جديد للتنمية، والتقدم لمواجهة الليبرالية المتوحشة. 

وهو ما يفسر المدَّ التضامني الذي عايشناه لمواجهة نقص الخدمات العمومية، من قبيل: إنتاج الأقنعة الواقية في مصانع خاصة تجمع مُنتَجَين محليَّيْن من أجل سلع أقرب وأقل كلفة، والتعاون بين الجيران، والوجبات المجانية لفاقدي المأوى. 

وأيضًا في عمق المنظومة الرأسمالية وصُلبها، رأينا شركة “مدترونيك” (هي أشهر مصنع لأجهزة التنفس الاصطناعي)، تُعلن في تَحدٍّ صارخ لمنطق الربح إسقاطَ حقوق الملكية الفكرية الخاصة بأجهزة التنفس الاصطناعي، وإتاحةَ تصاميم أجهزتها للجميع، وذلك لتسهيل تصنيعها وانتشارها.


لقد زعزع الوباء كل المعايير الهادية ودمَّر كل الثوابت، بإجماع أغلب المفكرين. فقد كان بمنزلة التشرنوبيل الصحي على حد تعبير الفيلسوف مارسيل غوشيه، الذي يستوجب إعادة النظر في أنماط عيشنا وأنماط تفكيرنا. 

فقد وجد الإنسان نفسه أعزل أمام الوباء، عندما أدرك أن الحياة الإنسانية لا يمكن اختزالها في أهداف ومَعانٍ وضِيعة: إنتاج همجي، أو استهلاك حيواني، أو تنافس وحشي من أجل نجاح فردي.

مِن تبعات الجائحة، أن اتفق أوَّل مرة الغرب والشرق والمركز والهامش، على أنهم في خندق واحد، ويواجهون مصيرًا مشتركًا، وأن القضاء على الوباء لا يتم إلا على مستوى عالمي. 


أما على المستوى الفردي، فقد تَبيَّن للجميع أننا نتجه إلى التوحد والتشابك. فالغيرية طغت على الأنانية. وقد أدركنا أننا متورطون مع الآخر. فصحتي من صحة الآخر، ومناعتي من مناعته، ومسؤوليتي تجاهه عميقة. 

في ظِل الجائحة تتحول الأنا إلى حارسة للآخر، ورهينة في يده. فكيف يمكننا تجسيد هذا التحول الجذري والهيكلي، في خطابات دينية رصينة وبيداغوجيا جديدة للعيش المشترك؟ ألمْ يحِنِ الأوانُ لبلورة أخلاق جديدة؟ ألم يحن الأوان لصياغة وعيٍ كونيّ؟

هل في إمكاننا صياغة خطاب ديني بديل يوحد ولا يقسم، أو خطابٍ ديني يعود إلى جوهر الإسلام وقيمه الخالدة، ويتجاوز ثنائية المسلم وغير المسلم ودار الإيمان ودار الحرب؟ وهل في إمكاننا اليوم مصالحة تراثنا الذي يمثل ذاكرتنا ولاوعْيَنا الجمعي، مع مقتضيات هذه الجائحة واستحقاقاتها؟ 


وهل نحن قادرون على الارتقاء من النرجسية الدينية والتقوقع المذهبي إلى رحابة الفكر الكوني، والقطع مع المسلَّمات التي تُقدِّم الإسلام على اعتبار أنه قطبٌ مُعادٍ لبقية العالم، وعلى اعتبار أنه وصيٌّ على الجنس البشري، ومكلَّف بتخليص الإنسانية جمعاء من الشرك والضلال؟