"إغريقيات- شكسبيريات" عرض سوري يستعيد ذرى المسرح الكلاسيكي

سامر محمد إسماعيل - اندبندنت عربية

فايز قزق يزاوج بين مصرع الأبوين أوديب اليوناني وهاملت الدنماركي


ذهب الفنان فايز قزق في عرضه الجديد "إغريقيات- شكسبيريات 2" نحو استحضار تسعة عروض من المسرح الإغريقي والشكسبيري، مزاوجاً بين ذرى درامية حارة عبر توظيفه الجوقة، وشخصية العراف الأعمى "تيريزياس"، بحيث يقود هذا الأخير صراعاً مع أوديب الأسطوري، الذي قتل أباه وتزوج أمه وأنجب منها. 

فبعد أن تجدب الأرض وبطون النساء في المملكة بفعل إثم كبير وقع فيها، يصر أوديب على معرفة ما نوع هذا الإثم، ومن ارتكبه، دون أن يعرف أنه هو القاتل، وهو السبب لما وصلت إليه البلاد من قحط ووباء وعقم. 

وبعد أن يكشف له العراف ذلك، يعاقب نفسه فيفقأ عينيه، وتشنق والدته - زوجته الملكة يوكاستا - نفسها عند سماعها في مخدعها حقيقة ما حدث.


من هنا ينطلق عرض "إغريقيات- شكسبيريات- 2" مفتتحاً ساعتين ونصف الساعة من روائع الدراما الكلاسيكية، لينهي المخرج قزق عرضه بذروة من مسرحية هاملت للكاتب الإنجليزي وليم شكسبير، وتحديداً مشهد مخدع النوم، الذي يكاشف فيه الأمير الدنماركي والدته غرترود باغتيال والده الملك بالاتفاق مع عمه الذي تزوجها بعد مقتل أبيه. 

هنا نشاهد تلك المسحة الفرويدية التي تذكرنا بعقدة أوديب، والتي دمجها العرض السوري بشكل لافت، لكن شبح الأب القتيل عندما يظهر لهاملت، فإن والدته سوف تراه أيضاً، أو توحي لنا بذلك، في مقاربة نفسية عميقة لقتل الأب، والترميز لها بالميلاد النفسي، الذي لا يكتمل إلا بتحطيم المثال/ القدوة، والخروج من عباءة الأب وسلطته.


التجربة التي كان المخرج والممثل السوري قد خاضها لأول مرة عام 1989 أيضاً مع طلابه في المعهد العالي للفنون المسرحية، تحيلنا إلى سؤال قديم جديد، وهو لماذا يذهب الناس لمشاهدة مسرحيات يعرفون قصصها جيداً، مثل الإغريقيات والشكسبيريات؟ 

والجواب، أنهم يذهبون للتعرف على الدوافع المختلفة وراء الشخصيات. ما يذكر بتفسير قسطنطين ستانيسلافسكي (1863- 1938) عن رواج مثل هذه الأعمال، ومواظبة الجمهور على مشاهدتها جيلاً بعد جيل، حيث يقول المخرج الروسي: "عندما يذهب الناس إلى المسرح لمتابعة مثل هذه العروض، فإنهم يفعلون ذلك ليس لرؤية ماذا تفعل الشخصيات، بل لماذا تفعله".


تراجيديا حديثة

إن المعالجة الدرامية التي ساقها قزق في النسخة السورية لأعمال من قبيل "أوديب ملكاً"، و"أنتيغون"، و"الليدي ماكبث"، و"روميو وجولييت"، و"عطيل"، و"ريتشارد الثالث"، و"هاملت"، بدت تبحث وعبر مشاهد منتقاة بعناية في أصل المأساة، وطريقة عمل التراجيديا. 

فـ"أنتيغون" للكاتب الإغريقي سوفوكليس، والواقعة في صراع بين العائلة والدولة، لم تعد تمثل تصادم القوى الروحية، فالتراجيديا الحديثة لم تعد انقساماً أخلاقياً بين خير وشر، وإنما صارت تتمحور حول قضايا الفرد وعواطفه وقناعاته في مواجهة السلطة وحكم العائلة. 

و"أنتيغونا" الحافظة لعهد شقيقها رغم إصرار "كريون" الملك على عدم إجراء مراسم الدفن له، تواجه في العرض صراعاً بين حقين، حق العائلة والولاء لقرابة الدم، أو حق الدولة وسلطتها المستمدة من الآلهة.


نزاع سوف ينتهي بمقتل "أنتيغون"، بعد الحكم عليها بالخيانة والنفي لجرأتها على نواميس السلطة، وإيثارها الانتصار لدفن أخيها "بوليينز".

كذلك الأمر يبدو بالنسبة للمشاهد الأخرى التي ساقها العرض السوري داخل مسرح "أستوديو أسعد فضة" في المعهد العالي للفنون المسرحية، معيداً الجوقة إلى وظيفتها الأولى في تقديم التراتيل والأناشيد والقصائد، أو التعليق على الحدث، ومراقبته من بعيد، والمشاركة في المناظرات الدرامية الدائرة، أو أداء بعض الرقصات والجمل الحركية. 

وهذا ما ساهم في جعل "إغريقيات- شكسبيريات" تركن إلى مسرح المساحة الفارغة، والتعويل على حضور الزي وبعض الإكسسوارات وقطع الديكور البسيطة. 

فمثلاً استخدم الممثلون في مشهد الشرفة الشهير طاولة مقلوبة، ومزينة ببعض الورود، حملها أفراد عائلتي روميو وجولييت على الأكتاف، وفوقها تقف حسناء فيرونا المرحة والعذبة في انتظار حبيبها الصبياني الطائش، وذلك في غفلة من أفراد العائلة الذين ينامون وقوفاً وهم يحملون شرفة ابنتهم العاشقة من جانبين، فينتهب العاشقان الفرصة في غفلة من عائلتيهما وخصوماتهما العميقة.


قراءة مغايرة

حلول فنية بسيطة ولافتة تداعت في مواصلة مشهدية متناغمة، وفرجة متصاعدة لا تفتر، جنباً إلى جنب مع قراءة مغايرة للشخصيات التي قدمها العرض. 

فمشهد "ريتشارد الثالث" الذي يتعفف عن التاج، ويسوق المديح لـ"الليدي آن" الحسناء التي اغتال ريتشارد زوجها، سيظهر في جنازته ليحول حقدها وغضبها عليه إلى رغبة جنسية أمام غزله الجريء، وادعائه أنه ما فعل ذلك إلا من أجلها، ومن أجل حبها الذي يعصف بقلبه. لكننا نراه في المقترح السوري في تجاور مع مشهد قتل "عطيل" ل"ديزدمونة"، وذلك بعد أن يثخن "إياغو" قلب الملك المغربي بالغيرة والشك في عفاف زوجته البريئة.


مقاربة استدعت أكثر من تجاور بين عدة مشاهد من مسرحيات شكسبير الشهيرة، وتحديداً ما اقتبسه العرض من "المآسي الكبرى" للشاعر الإنجليزي الغامض. فالصراع على السلطة يحدث في مناخ من الدسائس الدموية التي تقول، إن التاريخ يكرر نفسه مجدداً، تماماً كما يحدث في المشاهد المقتطعة من مسرحية "الليدي ماكبث"، تراجيديا عذاب الضمير والجرائم المرعبة.

"ماكبث" التي تعد أقصر مسرحيات شكسبير، والمكتوبة بتشويق عال، وأجواء من الخوف والإثارة التي تسوقها "الليدي ماكبث" في جنونها للسلطة والسيطرة، ودفع زوجها "ماكبث" إلى القتل، وصولاً إلى اغتيال "دنكان" الملك الضحية، الذي يراق دمه في مناخ من الخوف والشهوة والفحيح الجنسي. 

كل هذا جاء مع مشهد محكمة فينيسيا في مسرحية "تاجر البندقية" وشحذ سكاكين شايلوك لنيل رطل اللحم واسترداد الدين من صدر بسانيو، ووفق موسيقى جنائزية اختارها الفنان حسن دوبا في عمله مساعداً في الإشراف على العرض.


هكذا يمضي العرض السوري حتى نهايات شخصيات نراها في مساحات لعب مقربة داخل أستوديو لجمهور مصغر، وبعيداً عن الديكورات الضخمة، والأزياء الملكية المنمقة والفخمة، ليستعيض فايز قزق عن كل ذلك بالذروة الدرامية، والتي تلخصت هنا في الإبقاء على حبكة المواجهة، والمآلات التي تنتهي إليها شخصيات كل من سوفوكليس وشكسبير.

مذكرة مرة أخرى أن المسرح الإغريقي هو أصل المسرح الأوروبي، وهو اللبنة التي بنى عليها المسرح الإليزابيثي واستلهمها، ونهل من معينها وطورها على مستوى وظيفة الكورس، وتنسيق المناظر، وتحقيق ثلاثية "الزمان، والمكان، والحدث"، وصولاً إلى روائع شكسبير التي تزداد نصوصه توهجاً، وقدرة على الحياة كلما استحضرت من جديد على خشبة المسرح.