الإخوان المسلمون في مصر بعد عقد على ثورة يناير: من رأس السلطة الى المنفى والسجون

القاهرة (أ ف ب)

بعد عشر سنوات على ثورة يناير التي لعبت جماعة الإخوان المسلمين المصرية دورا بارزا فيها والتي أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك، يستبعد محللون عودة الإخوان الى دائرة الضوء بسبب القمع الذي تعرضوا له وتجربتهم الفاشلة في الحكم.


ويقبع اليوم آلاف الإسلاميين في السجون المصرية، بينما فرّ آخرون خارج البلاد، وتوفي الرئيس المصري الوحيد الخارج من صفوف جماعة الإخوان محمد مرسي خلال محاكمته. وصنّفت السلطات المصرية الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية".

ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية كمال حبيب لوكالة فرانس برس "علاقة النظام الحالي بالتنظيم أصبحت معركة وجودية، ولم تعد مجرد خلاف سياسي".

ويرى "أن أمر المصالحة ليس واردا على الأقل في الأمد المنظور" بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين.


وتحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في ذكرى حرب أكتوبر 1973 العام الماضي عن الموضوع قائلا "أنا لا أستطيع أن أتصالح مع من يريد أن يهدّ بلادي ويؤذي شعبي وأولادي".

وأضاف السيسي مخاطبا الجماعة دون تسميتها "أنت لا تملك ضميرا ولا إنسانية ولا دينا".

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد من جهته "لا أعتقد أن التنظيم انتهى"، لكن "من الصعب أن يظهروا علنا في ظل النظام المصري بوضعيته الحالية".


ويضيف السيد أن الظروف التي نما في ظلها التنظيم، وهي ضعف الأحوال الاقتصادية وعدم وجود منظمات سياسية تستوعب الشباب، "لا تزال قائمة".

ولطالما عمل الإخوان المسلمون على "أزمة الطبقة الوسطى" في مصر، منذ تأسيس الجماعة عام 1928، وفق ما يقول السيد لفرانس برس.

ويوضح أنه، في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعانيها أبناء الطبقة المتوسطة في مصر وعدم وجود منظمات وكيانات سياسية تقدم لهم حلولا، كان الإخوان المسلمون يعملون على استيعابهم، خصوصا من خلال نشاطات خيرية.


وظهر نجاح هذه السياسة حين اكتسح مرشحو التنظيم أول انتخابات برلمانية عقب سقوط مبارك من خلال الذراع السياسية للجماعة آنذاك، حزب "الحرية والعدالة".


تجربة الحكم

وتسلّم مرسي الحكم في حزيران/يونيو 2012 بعد انتخابات رئاسية ديموقراطية وحرة. بعد سنة من ذلك، انقلب الرأي العام ضد جماعة الإخوان المسلمين. 

إذ رفضت شريحة واسعة من المصريين سيطرة الجماعة على الحقائب الوزارية ومحاولتها الاستئثار بمؤسسات إدارة الدولة من خلال تعيين أنصارها في المناصب القيادية. فخرج الملايين مجددا في حزيران/يونيو 2013 الى الشارع، هذه المرة للمطالبة بإسقاط الإخوان.

ويقول حبيب إن فترة حكم الإخوان المسلمين "هزّت صورة التنظيم على مستوى أعدائه وعلى مستوى الجماهير وأثبتت أن ليس لديه القدرة على ذلك".


ويضيف "لم تكن هناك قدرة على الاجتهاد في الجماعة، فكان الاعتماد على المرجعيات القديمة لحسن البنّا وسيد قطب، وهذا التراث القديم لم يعد يجيب على أسئلة الجيل الحديث".

ويقول الباحث اللبناني في سياسة الشرق الأوسط هادي وهاب من جهته "عرّتهم هذه التجربة، إذ إنهم لم يقدّموا مشروعا اقتصاديا أو سياسيا بديلا، بل تبيّن أنهم كانوا فقط مهتمين بالوصول إلى السلطة".

في تموز/يوليو 2013، أطاح الجيش المصري بقيادة السيسي الذي كان وزيرا للدفاع أيضا آنذاك، بمرسي. وقتل قرابة 800 من أنصار الجماعة في آب/أغسطس من العام نفسه، أثناء فض اعتصامين أقاموهما في القاهرة.


وتم توقيف مرسي وإحالته إلى المحاكمة في قضايا عدة على رأسها التخابر وقتل متظاهرين. وتوفي خلال إحدى جلسات محاكمته عام 2019.

وسجن الآلاف من أعضاء الجماعة، وبينهم مرشدها محمد بديع ومساعده خيرت الشاطر، بينما سلك آخرون طريق المنفى، ومنهم الى قطر وتركيا. ويقيم الزعيم الفعلي الحالي للإخوان المسلمين ابراهيم منير في لندن.

ومنذ الإطاحة بمرسي، شنت السلطات الأمنية حملة قمع واسعة ضد الإسلاميين امتدت بعد ذلك لتشمل كل أطياف المعارضة غير الإسلامية والنشطاء والمدونين.


وتدور مواجهات عنيفة في شمال ووسط سيناء في مصر بين قوات الأمن ومجموعات إسلامية متطرفة.

ومن أبرز هذه المجموعات تنظيم "ولاية سيناء"، الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية، وحركة "حسم" الذي تتهمه السلطات بأنها الذراع المسلح للإخوان المسلمين وقد ظهرت عام 2014، وتبنت العديد من الاغتيالات في صفوف الشرطة المصرية.


بايدن والمصالحة العربية

وتعتقد جماعة الإخوان المسلمين أن فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية قد يفتح لها باب العودة إلى الحياة في مصر، إذ إن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب كان داعما بشدة لنظام السيسي.

ونشرت الجماعة بيانا على موقعها الرسمي بعد فوز بايدن، قالت فيه على لسان نائب المرشد العام ابراهيم منير، "آن الأوان لمراجعة سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات، وما ترتكبه الأنظمة المستبدة حول العالم من جرائم وانتهاكات في حق الشعوب".

إلا أن حبيب لا يرى أن فوز بايدن قد يغير شيئا، مشيرا الى أن إدارة بايدن قد تعمل على "تحسين حال حقوق الإنسان أو العمل الحزبي أو الأهلي.. وليس عودة الإخوان".


في تركيا وقطر، تجد بعض قيادات الإخوان الهاربة من مصر، منافذ إعلامية لمعارضة النظام المصري مثل قنوات "الجزيرة" و"الشرق" و"مكمّلين".

ولكن هذا الأمر قد يتغير بعد المصالحة التي حصلت أخيرا بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة ثانية.

وكانت الدول الأربع قطعت في حزيران/يونيو 2017 العلاقات مع قطر، متهمة إياها بالتقرب من إيران ودعم مجموعات إسلامية متطرفة، الأمر الذي نفته الدوحة.


ورحبّ المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين في تركيا طلعت فهمي بالتقارب الأخير بين قطر والدول الأربع.

ويرى السيد أن المصالحة العربية قد تنعكس بشكل سلبي على جماعة الإخوان. "ربما يفقدون نافذة يمكن أن يطلّوا منها على الرأي العام المصري".

في اسطنبول، قال طلعت فهمي لوكالة فرانس برس "لا يمكن أن يحصل أي تغيير في مصر عن طريق انتخابات في ظل وجود هذه المنظومة"، مضيفا "الحراك الشعبي هو الذي يجبر هؤلاء على التراجع".