فيروس كورونا: هل يقف الخوف من غضب الشعب الفرنسي وراء تردد الحكومة في فرض حجر صحي جديد؟

فرانس24/ أ ف ب

في فرنسا، تستعد الحكومة لاتخاذ إجراءات جديدة لمكافحة انتشار فيروس كورونا، واضعة في الاعتبار إمكانية فرض حجر صحي جديد. فحظر التجول الحالي الذي يبدأ من السادسة مساء تعتبر فعاليته "نسبية". لكن السلطة التنفيذية مترددة في اتخاذ القرار خوفا من رفض الشعب الفرنسي لهذه الخطوة.


في الوقت الذي يجب فيه اتخاذ قرار حاسم بشأن الإجراءات الجديدة لاحتواء وباء فيروس كورونا، يجد إيمانويل ماكرون وحكومته نفسيهما في وضع لا يحسدان عليه. فهل يجب فرض حجر صحي جديد سريعا على الفرنسيين لمدة لا تقل عن عام، كما يدعو العلماء؟ أم يجب أن ننتظر بضعة أسابيع أخرى، أو حتى أن نفضل نهجا آخر أقل تقييدا، حتى لا نغضب جزءا من السكان؟

إنه خيار سياسي يتعين على السلطة التنفيذية أن تبت فيه. وهو أمر لا يخلو من المخاطر، إذ يبدو أن التعب قد نال من الفرنسيين، الذين يواجهون مثل بقية العالم فيروس كورونا منذ عام تقريبا. 

وفي معرض حديثه عن الوضع الصحي في البلاد الخميس، قال وزير الصحة أوليفييه فيران إن حظر التجول الذي فرضته الحكومة كان فعالا في البداية لكن فعاليته ذهبت أدراج الرياح. واعترف فيران بأن البلاد لا تواجه موجة وبائية لكنه شدد على أن الفيروس ينتشر بصورة متسارعة.


وتأتي هذه التصريحات من وزير الصحة لتدعم ما قاله أمس الأربعاء 27 يناير/كانون الثاني المتحدث باسم الحكومة جبرائيل أتال في ختام اجتماع لمجلس الوزراء بناء على نصيحة من مجلس الدفاع الصحي في الإليزيه. 

فقد قال إن "فعالية حظر التجول من الساعة السادسة مساء كانت نسبية. لدينا بيانات تظهر أن حظر التجول (...) في هذه المرحلة لا يبطئ بشكل كاف من انتشار الفيروس". 

وتابع بالقول إنه في مواجهة هذا الوضع، فإن السيناريوهات المتصورة تنتقل "من الحفاظ على الإطار الحالي إلى حجر صحي مشدد".


في فترة الحجر الصحي الأول، مارس/آذار عام 2020، لم يتردد إيمانويل ماكرون في استخدام خطاب عسكري للإعلان عن الحجر الصحي العام بعد أيام قليلة من إغلاق المدارس. وواجه الرئيس الشعب بقوله "نحن في حالة حرب"، وكان الشعب وقتها في حالة صدمة ومستعدا لقبول كل شيء تقريبا.

لكن اليوم، بعدما حدثت تطورات في الخطاب بشكل واضح، يبدو من الصعب إيقاف البلاد مرة أخرى بموافقة عامة من السكان. "هناك ظاهرة من الملل والشك والتساؤل، كل ذلك مشروع. وأثناء اتخاذ أي قرار سياسي، يجب النظر بعين الاعتبار لمسألة القبول الاجتماعي"، بهذه الكلمات صرح رئيس نواب حزب "الجمهورية إلى الأمام"، كريستوف كاستانير، صباح الأربعاء لإذاعة "فرانس أنتير".


"لم يعد الناس قادرين على التحمل بعد الآن"

ظهر مفهوم "القبول الشعبي" في فرنسا في أوائل الثمانينيات عندما كانت الطبقة السياسية تبحث عن أفضل طريقة لإقناع الفرنسيين بقبول التطعيم. فالقبول الاجتماعي يعني ما يمكن لمجموعة اجتماعية قبوله كتعديل في فضائها الحياتي، أي كتغيير سيتم فرضه عليها.

ومع ذلك، تظهر استطلاعات الرأي أن مواقف الفرنسيين لم تعد متماثلة مع مواقفهم في الربيع الماضي. فقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر حكومي قوله إن "القبول العام مسألة يقظة وانتباه ورهان مهم للغاية لأنه في الحجر الأول كانت نسبة القبول العام 85 بالمئة وفي الثاني كانت 65 بالمئة أما اليوم فهي تصل إلى 40 بالمئة".

وعلى أرض الواقع، يلتقي النواب في دوائرهم الانتخابية مع مواطنيهم الذين أعيتهم أحداث عام كامل لم تتوقف خلاله حياتهم عن الانقلاب رأسا على عقب. 


وفي حديثها مع فرانس24، قالت كارولين جانفييه، النائبة عن حزب "الجمهورية إلى الإمام" في إقليم لو لواريه، "نشعر أن الناس باتوا أكثر قلقا، وأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل ذلك، فهم متوترون ومتشنجون، وبخاصة صغار التجار الذين يخشون أنهم لن ينجوا إن فرض حجر صحي جديد مشابه لما حدث في ربيع عام 2020". وأضافت "لكن هناك ما هو أكثر من الغضب، أرى أن هناك مشاكل تتعلق بالصحة العقلية والاكتئاب والعزلة لدى كبار السن على وجه الخصوص".

من الواضح أن إيمانويل ماكرون يفكر في الأحداث الأخيرة التي وقعت في هولندا، حيث اندلعت حركة احتجاج وأعمال شغب بعد الإعلان عن تنفيذ حظر التجول في نهاية الأسبوع الماضي. 

وألقت الشرطة القبض على 250 شخصا مساء الأحد و70 آخرين يوم الاثنين. رئيس الوزراء مارك روته علق بأن ذلك كان "أسوأ أعمال شغب تشهدها هولندا منذ أربعين عاما" في هذا البلد الذي لم يعرف حظر التجول منذ الحرب العالمية الثانية.


في الوقت نفسه في فرنسا، ظهر وسم "#JeNeMeReconfineraiPas" (لن أحجر مرة ثانية) على تويتر مع شهادات متعددة من الفرنسيين تفيد بوضوح أنهم سيدخلون في حالة عصيان إذا فرض حجر صحي جديد.

"العديد من الشركات ترفض الإغلاق. بيد أن التصريح شيء وتنفيذه فعليا شيء آخر، لكن هذا هو حال العديد من المواطنين أيضا الذين احترموا كل شيء منذ مارس/آذار الماضي: أين مكان الحياة إذن من كل هذا؟ #JeNeMeReconfineraiPas (لن أحجر مرة ثانية)". هذا مثال لما كتبه مواطن فرنسي على تويتر يوم الأربعاء.


الشعور بالخطر بات أقل بكثير عن ذي قبل

مشكلة السلطة التنفيذية تزداد تعقيدا بلا شك لأن الوضع الصحي يتدهور بالطبع، ولكن ليس بالشكل الكبير نفسه عندما يصعد منحنى الإصابات بسرعة الصاروخ وعندها ينتبه الجميع إلى الخطر المحدق بهم فيقبلون بالاتفاق. 

في مارس/آذار الماضي، كان الشعور بالخطر واضحا جليا لدى كل الفرنسيين، وهو عامل أساسي للقبول، أما اليوم فهو أقل حضورا بكثير.

لقد استمر عدد المرضى في المستشفيات في الارتفاع، وصل يوم الأربعاء إلى 27169، منهم 3107 في وحدات العناية المركزة، وفقا لأرقام هيئة الصحة العامة الفرنسية. بالإضافة إلى ذلك تم تسجيل 350 حالة وفاة إضافية في المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية، ليصل إجمالي عدد الوفيات الناجمة عن الوباء إلى 74456 في فرنسا، وهو أقل بكثير مما هو عليه في المملكة المتحدة، التي أصبحت يوم الثلاثاء أول دولة أوروبية تتجاوز 100 ألف وفاة بفيروس كورونا. 


لكن الفيروس الإنكليزي المتحور، الأكثر عدوى، يمثل 9,4٪ من الحالات المكتشفة في منطقة "إيل دو فرانس" بين 11 و21 يناير/كانون الثاني، وفقا لأطباء من مستشفيات المساعدة العامة في باريس (AP-HP)، والذين يعتقدون أن تلك مقدمة لزيادة مستقبلية "كبيرة جدا" في عدد المرضى. 

بيد أن وزير الصحة أوليفييه فيران قد صرح بأن اللقاحات التي تمتلكها فرنسا فعالة مع الفيروس المتحور الإنكليزي، وأضاف بأن الأطباء واثقون من أنها أيضا فعالة مع الفيروس المتحور الجنوب أفريقي.


ارتفاع في نسبة الإصابة بفيروس كورونا الإنكليزي المتحور في فرنسا

وفي انتظار اتخاذ القرار، تحاول السلطة التنفيذية جمع كل الحظوظ إلى جانبها بحيث يبدو قرارها جماعيا، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن أحد مستشاري السلطة قوله "إذا اضطررنا إلى فرض حجر صحي جديد، فسيتعين علينا اختيار الكلمات الصحيحة لشرح هذا القرار والدفاع عن تنفيذه". 

فيما أوضح غابرييل أتال، المتحدث باسم الحكومة، أن إيمانويل ماكرون طلب من رئيس الوزراء إجراء "مشاورات معمقة" حول "السيناريوهات المختلفة" المطروحة حاليا على الطاولة. 

وهو قرار اتخذه ماكرون لأنه كان قد تعرض لانتقادات واسعة بشأن فرضه الحجر الصحي الأول بقرار فردي. ولهذا فإن رئيس الوزراء جان كاستكس سيتشاور على مدى يومي الخميس والجمعة مع رؤساء المجموعات البرلمانية في مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية علاوة على الشركاء الاجتماعيين.