مفوضو الأرض المقدسة: سفراء الأرض المقدسة منذ 600 عام

حراسة الأرض المقدسة

في 14 شباط 1421، نشر البابا مارتينوس الخامس براءة بابوية بعنوان "His quae pro ecclesiasticarum"، التي أصبحت الوثيقة التأسيسية لمفوضيات الأرض المقدسة. 

وبعد مرور 600 عام، في 14 شباط 2021، ستحتفل حراسة الأراضي المقدسة ومفوضيات الأرض المقدسة الـ 84 بهذه الذكرى السنوية مقيمة الذبيحة الإلهية في كل مكان، شكراً لمحسني الأرض المقدسة.

من نواب علمانيين إلى مفوضين فرنسيسكان

يبدو أن مصطلح "مفوض" هو مشتق من المصطلحات القانونية لجمهورية سيرين الفينيسية، والتي حافظت الحراسة على علاقات معها بفضل طرق التجارة التي وصلت من الجمهورية إلى ميناء يافا القديم. كان المفوض ولا يزال هو الشخص الذي يعتبر بمثابة "الحارس العام" لمصالح احدى المؤسسات أو الأشخاص.

وقد أوضح مندوب الحراسة لشؤون مفوضيات الأرض المقدسة، الأب مارسيلو آرييل تشيتشينيلي قائلاً: "تم إنشاء المفوضيات قبل 600 عام وهذا ليس من قبيل الصدفة. يعود تاريخ ميلاد المفوضيات إلى لحظة صعبة من حياة الحراسة، كان من الضروري فيها تقديم دعم قوي للرسالة في الأرض المقدسة".

أدرك الفرنسيسكان حينذاك استحالة تواجدهم في جميع أنحاء العالم في الوقت نفسه، وإذ وجدوا أنفسهم حينها في خضم سنوات الإصلاح الذي تناول موضوعين محوريين هما: الصدقة والفقر، فقد عهد الرهبان حينها بالمسؤولية أولاً إلى "نواب" علمانيين من أجل الحصول على الدعم الاقتصادي للأراضي المقدسة: ومن هنا وُلدت شخصية النائب، وهو سلف من سيدعى لاحقاً بالمفوض. 

ورد ذكر المسؤول الأول في وثائق يعود تاريخها إلى عام 1392، وهو التاجر روجيرو كونتاريني، وكان معاونوه هم أولاً أخوه ومن ثم ابن أخيه. 

ربطت كونتاريني بالأب جيرار شوفيه، الذي أصبح فيما بعد حارساً للأراضي المقدسة (1387 / 1388-1398)، علاقة قوية، وقد تم تعيين كونتاريني "نائباً لإقليم جمهورية البندقية"، محافظاً في الوقت نفسه على اتصالات وثيقة بالأب شوفيه، كما هو الحال مع خليفته الأب جان دي روشفورت.

في هذه المرحلة، كان لا بد من موافقة الرهبانية الفرنسيسكانية على هذا الدور. وهو السبب الذي حمل البابا مارتينوس الخامس، على اصدار براءة بابوية جديدة بعنوان "Salutare Studium"، أوضح فيها، مشيراً إلى نواب الأرض المقدسة، أن الدساتير، والمراسيم الرسولية، والتشريعات، والأعراف الخاصة بالرهبنة، بل وحتى أي قَسَمٍ أو تثبيت رسولي، لا ينبغي أن يكون عقبة أمام الإنجاز المنتظم لهذا العمل، وهكذا كان. 

وبدعم من محتوى هاتين البراءتين البابويتين، تم استبدال العلمانيين تدريجياً على مر القرون، بالرهبان الفرنسيسكان، حيث أصبح اليوم مفوضو الأرض المقدسة جميعهم من الرهبان الذين يتم تعيينهم من قبل رئيسهم الإقليمي بالتشاور مع حارس الأراضي المقدسة.

انتشار المفوضيات حول العالم

من الصعب للغاية تحديد التسلسل الزمني الدقيق لمؤسسة المفوضيات، خاصة فيما يتعلق بتلك التي تعتبر، في أوروبا، أقدمها. نحن نعلم، على سبيل المثال، أن مفوضيات نابولي وباريس وفيينا قد تأسست في النصف الأول من القرن السابع عشر. 

أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة، ولكنه يشهد على عالمية وحيوية رهبانية القديس فرنسيس، فهو العمل الذي قامت به مملكتا إسبانيا والبرتغال. 

يعود الفضل في إنشاء مفوضيات الأرض المقدسة في كل من مكسيكو، وليما وكارتاخينا وكيتو وبوينس آيرس، في نهاية القرن السادس عشر، إلى العائلة المالكة الإسبانية، وذلك بعد فترة وجيزة من تأسيس مفوضيتي مدريد وسانتياغو دي كومبوستيلا. 

دعمت العائلة المالكة البرتغالية، بعد إنشاء مفوضية لشبونة، إنشاء مفوضيات عامة في أورو بريتو وسلفادور دي باهيا وريو دي جانيرو. وهكذا يتولى المفوضون وظيفة "سفراء" للأماكن المقدسة، تمتد مهمتهم أيضاً إلى تنظيم رحل الحج، بل وخدمة مصالح الرهبانية بأكملها. 

فبفضل إنشاء المفوضية في باريس، على سبيل المثال، أصبحت إعادة دمج الفرنسيسكان في الحياة الرهبانية ممكنة بعد طرد جميع الرهبان في عام 1880. 

وفي الوقت نفسه، تم تأسيس مفوضية في الولايات المتحدة مقرها في واشنطن العاصمة (1882)، وفي كندا في تروا ريفيير (1888) على يد الطوباوي الأب فريدريك جانسون.

منذ بداية البعثة، أضحت المفوضيات مؤسسات لا غنى عنها: فهي تمثل جسوراً بين رسالة الأرض المقدسة والكنائس المحلية. هي قنوات طبيعية تم إنشاؤها وتعزيزها ليس فقط من قبل الرهبنة الفرنسيسكانية ولكن من قبل الكنيسة نفسها، التي عادت وأكدت دعمها أيضًا من خلال مأَسَسَة "اللمّة المخصصة للأماكن المقدسة" "Collecta pro Locis Sanctis"  التي أنشأها البابا لاوون الثالث عشر في 26 كانون الأول 1887، وهي لا زالت تتكرر كل عام يوم الجمعة العظيمة.

الإحتفال بمرور 600 عام على إنشاء المفوضيات

وقد علق الأب مارسيلو قائلاً: "على الرغم من فترة الإحباط التي نمر بها، فإن الحراسة ترغب بعد مرور 600 عام، أن تحتفل بهذه المؤسسة وأن تقول شكراً لله وللكنيسة على تفويضها". 

أتاح هذا المعلم الزمني التاريخي لحارس الأراضي المقدسة، الأب فرانشيسكو باتون، حث الرهبان على تنظيم صلاة من أجل المفوضين، ولكن أيضاً لكافة المحسنين، لأن كل واحد، وفقًا لإمكانياته، كان تعبيرًا عن العناية الإلهية.

وتابع الأب تشيشينيلي، قائلاً: "يتيح لنا هذا الاحتفال أيضًا إحياء شخصية المفوضين من جديد. نريد أن نُبَلِّغَ العالم بأننا لم نقف مكتوفي الأيدي طوال 600 عام، فإن هذه المؤسسة لطالما تطورت على مرّ الزمان وهي تسير إلى جانبهم أيضًا من خلال مؤتمرات المفوضين (التي عُقد آخرها في نهاية عام 2018) والعمل المتواصل على تنشيط رسالتها".