دوستويفسكي العاشق المتهور كما يكشفه البريطاني أليكس كريستوفي

سناء عبد العزيز - اندبندنت عربية

بورتريه جديد في مئويته الثانية انطلاقاً من أعماله ورسائله وقصص حبه


"الحقائق ليست كل شيء"، يذكرنا دوستويفسكي في "الجريمة والعقاب"، "طريقة التعامل معها هي نصف المعركة على الأقل". من هنا انطلق الروائي البريطاني أليكس كريستوفي في مقاربته لسيرة العملاق الروسي "دوستويفسكي عاشقاً: حياة عاطفية"، الصادرة عن دار بلومزبري في المئوية الثانية لذكرى ميلاده، مستبعداً آلاف التفاصيل عن حياته الملحمية الحافلة بالميلودراما، ومستفيداً من لعبة القص واللزق في تشكيل كولاج مذهل، هو مزيج من صوته وصوت دوستويفسكي من خلال مقتطفات مختارة بعناية من رسائله وكراساته ومقالاته ورواياته. 

وقد قام بنسجها مع السياق التاريخي بمنتهى السلاسة، وحتى لا يقطع تدفق السرد، ترك للمصادر الجزء الأخير من كتابه، والنتيجة هي حياة روائية تطوّف بالقارئ في مشهد واسع لعالم دوستويفسكي، من معسكر سجن سيبيريا إلى قاعات القمار في أوروبا، من زنازين السجن الرطبة في حصن القيصر إلى صالونات سان بطرسبرج الراقية. ولم  يتجاوزالكتاب 256 صفحة، وهو ما اعتبره النقاد تطوراً جريئاً في فن السيرة الذاتية.

لم يكن دوستويفسكي العاشق مختلفاً عن دوستويفسكي المصاب بالصرع أو المقامر أو الذي واجه الموت، كل تجربة كانت مباغتة وخطيرة وبالغة الإثارة. يروي كريستوفي قصص ثلاث نساء تشابكت حياتهن بإحكام مع حياة العاشق، الأرملة المصدورة ماريا، وبولينا المتهورة، وكاتبة الاختزال الوفية آنا، التي يرجع إليها الفضل في الحفاظ على إرثه الأدبي. ويرسم لوجه الفنان بورتريهاً جديداً لم نستطع التغلغل إليه تحت جلد العملاق العاشق الخجول، والإنسان المخلص، والأخ والصديق، والمفكر الذي تمكن من اختراق أعماق النفس البشرية.


العاشق الثلاثيني

حين وقع فيودور الشاب في حب ماريا إيزيفا، كان في منتصف الثلاثينيات من عمره. وقد أكسبته روايتاه "الفقراء" و"القرين"، شهرة لا بأس بها، لكنها لم تكسبه المال، والقليل الذي تحصل عليه ضيعته عجلة الروليت. بينما كانت ماريا، فضلاً عن مزاجها المتقلب وإصابتها بالسل، زوجة لإلكسندر الرجل السكير. 

في "حلم العم" يذكرها باسمها "ماريا إلكسندر" أهم سيدة في البلدة استضافته في كربه، وفي "الجريمة والعقاب" نجدها في شخصية كاترينا إيفانوفيا زوجة السكير الذي قتلته سنابك الخيل. من الصعب أن تخلو رواية لدوستويفسكي من امرأة مصدورة، فلم تخلُ حياته بدورها منهن: توفيت والدته التي كانت تُدعى ماريا أيضاً بمرض السل عندما كان عمره 15 عاماً، وتوفيت صوفيا ابنته بالالتهاب الرئوي، ومات هو نفسه عن عمر ناهز 59 عاماً بنزيف الرئة.


في رسالة إليها كتب يقول: "آه لو تعلمين إلى أي حد تضنيني الوحدة هنا، إن عذابي الآن ليذكرني بالفترة التي قبضوا علي فيها ودفنوني حياً في زنزانة رطبة ضيقة، لقد تعودت على رؤيتك، والآن محروم منك... عشتُ خمس سنوات خارج المجتمع وجئت أنت فعاملتني كفرد من أسرتك، كم آلمتك بطباعي الشاذة، ولكنك أحببتني على الرغم من ذلك، أدركتُ ذلك وأحسسته".

لقد تزامن حبه الأول مع حادثة القبض عليه حين اتُهم بقراءة الكتب والأعمال المحظورة والمساعدة في نشرها وتعميمها، بخاصة كتاب بلنسكي" رسالة إلى غوغول". واعتُبر من أخطر المدانين، فقد قضى فترة عقوبته مقيد اليدين والقدمين حتى تاريخ إعتاقه، ولم يسمح له إلا بقراءة إنجيل "العهد الجديد". إنها التجربة المريرة التي رصدها بضراوة في روايته العنيفة "ذكريات من منزل المدفونين أحياء".

أحد الأمثلة على كيفية تعامل كريستوفي مع الحقائق تظهر في سرده لقصة "الإعدام الوهمي" التي بدأ بها كتابه. فمن خلال مقتطفات من رسائل دوستويفسكي مع مقاطع من "الأبله" و"الإخوة كارامازوف" و"أذلاء ومهانون"، يورطنا كريستوفي ليس فقط في اللحظة التي واجه فيها دوستويفسكي فرقة الإعدام، ولكن أيضاً في رده الروائي على تلك اللحظة، كتب لأخيه يقول: "لم يتبق لي أكثر من دقيقة لأعيش". وفي الأبله: "إن أفظع جزء من العقوبة، ليس الألم الجسدي، ولكن اليقين الأكيد أنه في غضون ساعة، ثم في عشر دقائق، ثم بعد نصف دقيقة، يجب أن تترك روحك جسدك و لن تكون إنساناً بعد الآن".


امرأة واحدة لا تكفي

عندما علم فيودور بأن زوج محبوبته قد مات، تاركاً ماريا وحيدة في فقر مدقع، أرسل لها آخر روبلاته مع عرض بالزواج، وطلب من الحافلة أن تنتظر الرد قبل أن تعود، مستغرقة أسبوعاً عبر الثلج. لكن ماريا رفضت عرضه، فهو بالنسبة إليها ليس إلا رجلاً مفلساً. وللمفارقة، وقعت في حب رجل فقير مثله، كتب دوستويفسكي: "لا أكاد أفهم كيف أستمر في الحياة"، "الحب هو المعاناة ولا يمكن أن يكون هناك حب بخلاف ذلك".

ولكي تكتمل مأساته تزوج دوستويفسكي في نهاية المطاف من ماريا، وفي ليلة زفافهما أصيب بأول نوبة صرع كاملة. لم تتعافَ ماريا أبداً من منظر جسده المتهالك المنهار، والزبد يتدفق من فمه: "لقد ركضت القطة السوداء بيننا"، على حد تعبيره في "أذلاء مهانون". 

لم يعش الزوجان يوماً واحداً من السعادة، كتب فيودور: "بسبب شخصيتها الغريبة والمرتابة والرائعة، لم نكن سُعداء معاً، ولكن لم يتوقف الحب بيننا. وكلما كنا أكثر تعاسة، كان الحب بيننا يزداد قوة".

أنّا زوجة دوستويفسكي الثانية وحافظة آثاره (وكالة نوفوستي)

بالإضافة إلى ماريا، كانت له علاقتان جادتان في الحب، بولينا، ابنة أحد العبيد، الجميلة المشوشة التي لم يجن منها سوى الحزن، بينما وقفت آنا، كاتبة الاختزال التي أصبحت زوجته الثانية، بجانبه وهو يرهن متعلقاتهما القليلة مراراً وتكراراً، ثم يخسر ما بحوزته في القمار. 

مع آنا انطلق في رحلة قمار وكتابة مدتها أربع سنوات حول كازينوهات أوروبا، "في مأزق مقزز بالنسبة إلى الديون ومساره المهني"."لكن الوقوع في الحب لا يعني أن تصبح محباً، يمكن للمرء أن يقع في الحب ويظل يكره".


تطهير الذات

كانت حياة دوستويفسكي مزيجاً من اليأس والرعب مع فترات خاطفة من السعادة، بدءاً من الإعدام الوهمي وقرار العفو في لحظة حاسمة زلزلته، ثم العبودية الجزائية في سيبيريا التي استنزفت روحه، وزواجه البائس المليء بالأزمات، والانغماس الطويل في هوة القمار، ونوبات الصرع القاتلة، وصولاً إلى التهليل الجارف بأنه قديس أو نبي في سنواته الأخيرة. 

فما الذي يدفعنا لعشق أجوائه المقبضة، والجلوس بشغف أمام خشبة مسرحه وشخوصه المعتلة المعدمة وهي تستعرض المهزلة البشرية في أبشع صورها. 

إنه يجعلنا نشعر بالخجل وهو يصف شعور الإنسان العادي بالغبطة عندما تقع مصيبة للآخرين، أي عندما تنكسر ساق أحدهم أو يتلطخ شرفه أو يفقد عزيزاً لديه. الفرح المستتر من شقاء الآخرين، والخبث الذي يطفو على السطح كفقاعات لا تحتمل المواربة.

في "العمى"، يصدمنا  الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو بجملة تقشعر لها الأبدان: "هذه هي الطينة التي جبلنا منها، نصفها خبث ونصفها استهتار". 

إلى أي حد أفزعت تلك الرؤية قبله العين الزرقاء الرمادية التي لم يكن بوسعها الغوص عميقاً في أوحال هذا المستنقع البشري فحسب؟ بل أيضاً التنبؤ بمسار تطوره، والوصول إلى حقيقة أكثر ترويعاً، هي عدم محدودية هذا الكائن بما يستحيل سبر أغواره، البئر عميقة جداً.

هكذا لم يستقص كريستوفي في مذكراته دوستويفسكي العاشق للمرأة فقط، بل ينتهي كذلك إلى دوستويفسكي المخلص المحب للإنسانية سواء في "الإخوة كارامازوف"، باقتراحه أن العالم الفخور بالإنجازات البشرية لا يستحق "الدموع المهدورة" لطفل واحد يتعرض لسوء المعاملة. 

أو أثناء فترة سجنه، بعد رحلة مدتها أربعة عشر يوماً وسط العواصف والثلوج، حين وصلوا إلى توبوسك، المحطة التي يرتاح فيها السُجناء، حيث كانوا بائسين مُعدَمين، وحاول فيودور الذي لا يقل عنهم بؤساً مواساتِهم بكل طريق، حتى أن أحدهم ويدعى إيفان ياسترزيمبسكي فوجئ بطيبة دوستويفسكي وتخلى عن قراره بالانتحار.


"أحبوا الإنسان، حتى في خطيئته، لأن هذا الحب هو شبه الحب الإلهي، وهو قمة المحبة على الأرض".

هذا الجانب الذي انتهى إليه كريستوفي لا يغيب عن روايات دوستويفسكي، فبحلول نهاية حياته اعتبره الناس نبياً ينشر إنجيل التناغم العالمي، لا سيما بعد خطابه المشهور على شرف بوشكين: "بكى الغرباء، وعانقوا بعضهم بعضاً، وأقسموا أن يكونوا أناساً أفضل، وأن يحبوا بعضهم بعضاً". جاء رجلان عجوزان ليخبراه: "منذ عشرين عاماً كنا أعداء... لكننا تعانقنا للتو وأنهينا ما كان بيننا من خصام. الفضل كله يرجع إليك ".

مات دويستوفسكي في عام 1881 بنزيف في الرئة، تاركاً وصيته لمن يرغب في زيارته: "الزهور التي ستشتريها عند زيارتك لقبري، لا داعي لها ولا داعي أن تبكي فوق رأسي، اشتر طعاماً وأعطه لحارس قبري".