الفيروسات تؤدي أدوارا على المسرح وكوفيد أكثرها شرا

يسري حسان - اندبندنت عربية

"كشفناه" عرض مصري يتناول جائحة كورونا ويكشف كواليسها.

يظل مسرح الطفل في عالمنا العربي موسوماً بكونه مسرحاً للتسلية أو للتعليم والتوجيه بشكل مباشر في أغلب الأحوال، من دون قدرة على لعب أي أدوار أخرى تجعل سمعته طيبة لدى الكبار والصغار معاً، وتجعله أكثر فائدة وجذباً للمشاهدين على اختلاف أعمارهم.

التعميم بالتأكيد لا يصح، فثمة عروض للطفل استطاعت تقديم مادة مسرحية متكاملة، فيها من عناصر الإبهار والتسلية بقدر ما فيها من العمق والقدرة على توصيل رسائل أو حتى طرح قضايا شائكة بشكل بسيط وغير مباشر، وليس على طريقة قل ولا تقل. 

عروض لا تستخف بعقل الطفل، وتحرص على طرح أسئلتها البسيطة عليه، وتدريبه على كيفية التفاعل مع ما يدور أمامه، وإن كانت مثل هذه النوعية من العروض من الندرة، الأمر الذي لا نستطيع معه اعتبارها ظاهرة في مسرحنا العربي.

ويظل تقديم هذا المسرح، أيضاً، في معظم الدول العربية خاضعاً للظروف أو الصدف، وليس موضوعاً على أجندة جهات الإنتاج المسرحي، سواء الرسمية أو الخاصة. 

في حين أن معظم الدول الأوروبية تتعامل مع مسرح الطفل باعتباره ضرورة وليس ترفاً، وتضع له برامج تستمر طوال العام. فاعتياد الطفل على مشاهدة المسرح بشكل دوري، فضلاً عما يحصله من متعة فكرية وجمالية، يجعله حريصاً في الكبر على متابعته والاهتمام بجديده. إضافة إلى أن الأطفال الذين يشاركون في صناعة هذا المسرح يكتسبون مهارات عدة ويصقلون مواهبهم ليكونوا بعد ذلك رافداً مهماً لحركة المسرح في بلادهم.

في دولة مثل ألمانيا على سبيل المثال، هناك إثنتا عشرة مسرحية لا بد أن يشاهدها الأطفال على مدار العام، بواقع مسرحية كل شهر. وهي بالمناسبة ليست عروضاً ذات إنتاج ضخم في أغلبها، شاهدت منها عرضاً قدمه "بيت المسرح" في مدينة هانوفر الألمانية، يتناول موضوعاً يتعلق بكسر حاجز الخوف لدى الطفل، عبر قصة أطفال يلعبون الكرة أمام بيت قديم ومهجور يخشون الاقتراب منه، ظناً أن فيه أشباحاً، كما أخبرهم رفاقهم. 

وينسج كل منهم الأساطير حوله، لكن الكرة طاشت، ذات يوم، ودخلت البيت، وكان لزاماً عليهم إحضارها واضطروا إلى دخول البيت الذي اكتشفوا أنه بيت عادي ولا أشباح فيه، وصار بعد ذلك مكاناً للهوهم ولعبهم.

كل ذلك جرى بسلاسة ووسط ديكورات عبارة عن موتيفات بسيطة وغير مكلفة، ولم تجر على ألسنة الأطفال، ممثلي المسرحية، أي عبارات مباشرة تتعلق بكسر حاجز الخوف أو أي شيء من هذا القبيل، لكن أحداث العرض أفضت إلى ذلك في سهولة ويسر.

أول عرض

في مصر التفت المركز القومي لثقافة الطفل (مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة) إلى هذا الأمر، وقدم أخيراً عرض "كشفناه"، الذي يعد أول عرض مسرحي، سواء للكبار أو الصغار، يتناول جائحة كورونا. 

والأمر هنا لا يتعلق بكونه أول أو عاشر عرض، بقدر ما يتعلق بكيفية تناوله لهذه القضية، ومن أين ينفذ إليها من دون أن ينزلق إلى ما يسمى "المسرح التعليمي المباشر". فالمتوقع عند مشاهدة مثل هذا العرض أن يتضمن تحذيرات مثلاً بشأن الوقاية من الفيروس، أو استعراض للمآسي التي خلفها، أو حتى إبراز جهود الدولة (بما أننا بصدد مؤسسة رسمية) في مكافحته والسعي إلى معالجة آثاره.

كل ذلك نحاه العرض جانباً، وسلك مخرجه ومؤلفه أحمد إسماعيل عبد الباقي، وجهة أخرى أعمل فيها خياله. فنحن أمام عائلة الفيروسات من الطاعون والإنفلونزا إلى سارس وغيره، وهي فيروسات يجسدها ممثلون، كبار وصغار. ولدينا كذلك بشر يحملون أسماء تشير إلى طبيعتهم الشريرة، مثل "صاحب المتاعب"، و"تنغيص العيشة" وسواهما، إلى أن يظهر "كورونا" نفسه ويتم الاحتفاء به باعتباره الأكثر قدرة على جلب المتاعب للبشر وتنغيص حياتهم. وينشأ كذلك صراع بينه وبين "الطاعون" الذي يلعب دور جده، ويسيئه أن يتفوق حفيده عليه في الفتك بالبشر، معتبراً أنه الأحق بالاحتفاء به وتكريمه.

دراما بسيطة

استطاع المخرج المؤلف خلق سياق درامي بسيط تدور في إطاره الأحداث، وحرص على أن يكون نصه بالفصحى المبسطة، ووزع مساحات التمثيل بالتساوي. 

فلا بطولة مطلقة سوى للحدث ذاته، ولأنه يتعامل مع عرض للطفل فقد أفرد مساحة للاستعراض والغناء (تصميم عمرو الحسيني وناصر عليان، ألحان إيهاب حمدي) لتكون جزءاً من الدراما ومساهمة في بنائها، وليست مجرد حلية يسعد بها الأطفال. 

وهو ما التفت إليه كذك مصمم الديكور (شادي قطامش) في صياغته التشكيلية لفضاء المسرح بواسطة موتيفات بسيطة ذات ألوان مبهجة وجاذبة لعين الطفل، ونفس الأمر بالنسبة إلى الملابس التي صممها أيضاً.

وخلال الأحداث، تكشف لنا المسرحية الدور السيء والخطير لمجموعة الفيروسات التى هاجمت العالم على مدار التاريخ، وكيف أن العلم والعمل والايمان استطاعوا أن يكونوا السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية بعد أن عكف البشر على البحث العلمي.

ولأننا نخاطب الطفل فإن المسرحية تبشر بنهاية كورونا شرط أن يوجه العالم موارده للصحة والإنماء، ويتخلى عن الحروب والصراعات، التى توشك أن تدمر البشرية. وذلك في إدانة واضحة للقوى العالمية الكبرى، ولم يخل الأمر كذلك من إشارات ضمنية تشكك في أصل نشأة الفيروس، وصراعات الشركات وتسابقها على إنتاج اللقحات.

رسائل ضمنية

اللافت أن كل ذلك جاء ضمن سياقات درامية، وليس عن طريق التلقين. فعلى سبيل المثال أراد صناع العرض توصيل رسالة عن الإجراءات الاحترازية التي يجب اتباعها، فجاء ذلك عبر مشهد تتصافح فيه عائلة الفيروسات وتتبادل القبلات والأحضان في ما بينها، ليعلق أحدهم بأننا بذلك نرتكب نفس أخطاء البشر.

أيضاً ورغبة في الوصول بالأطفال إلى الحد الأقصى من البهجة، من دون التأثير في تماسك العرض، بدا الحس الكوميدي واضحاً، بخاصة في حركة الممثلين وردود أفعالهم. 

وجاء ذلك من بنية العمل نفسها، ليمثل مع الغناء والاستعراض عناصر جذب تذهب الملل عن المشاهدين وتدفعهم إلى مواصلة المشاهدة، على رغم ثقل الموضوع نفسه. 

وأخذ المخرج في اعتباره الفروق الفردية بين مشاهديه سواء من الكبار أو الصغار، فجاء عرضه متعدد الدلالات، حيث يمكن لكل مشاهد تأويله بحسب خبرته وثقافته.

"كشفناه" هنا تعني الكشف عن خطورة الفيروس وقدرته على التحور. فالفيروس - في سياق العرض - كلما توصل العلم إلى لقاح لمواجهته، يدخل معمله ويخلق نفسه على هيئة أخرى حتى يواصل الفتك ببني البشر، الذين إذا لم يصححوا أخطاءهم التي يرتكبونها في حق أنفسهم فهم هالكون لا محالة. فعلى رغم امتلاكهم أسلحة فتاكة، وغزوهم للفضاء - هكذا أوضح العرض - فإن مجرد فيروس خبيث باستطاعته إبادتهم جميعاً إذا لم ينتبهوا، لذلك فإن "كشفناه" هنا قد تعني الفيروس، وحماقات البشر معاً.

العرض ضم مجموعة كبيرة من الممثلين المحترفين، فضلاً عن مجموعة من الأطفال والراقصين، وقام ببطولته سحر منصور وهيثم حسن ونجلاء سالم وإبراهيم البيه ومحمد عبد الفتاح ورحمة محجوب والطفلة حور.