محمد عبد المطلب صاحب الصوت الطربي الجارف

علي عطا - اندبندنت عربية

"لم نسمع في الكون، صوتاً أجشّ وأبحّ، ومع ذلك يطربك طرباً جارفاً، يبلغ بالمستمع العربي أقصى درجات المتعة. إنه في هذا أشبه، بالشيخ زكريا أحمد، الذي كان يملك، حين يغني، هذه السمة الغريبة، التي تجعل منهما قامتين باسقتين فريدتين في عصرنا، وربما في الكثير من العصور، ماضيها والمقبل منها". 


هكذا يقدم فكتور سحاب لكتاب الباحث محب جميل "محمد عبد المطلب سلطان الغناء" الصادر حديثاً عن دار آفاق - القاهرة، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون.

في الكتاب كما لاحظ فكتور سحاب 11 صفحة تضم 212 أغنية هي أهم ما غنى المطرب الكبير، وهذا يعني أن الكتاب صار مرجعاً عن محمد عبد المطلب. 

وفي الكتاب أيضاً ست صفحات تسرد المقالات والأحاديث التي استعين بها في وضع الكتاب، و9 صفحات للمراجع والمصادر العربية والأجنبية (فرنسية وإنجليزية)، وهذا كاف لإبراز أهمية الكتاب، كما يقول فيكتور سحاب الذي يستطرد ليضيف إحساساً شخصياً انتابه بعد أن قرأ هذا الكتاب وكتابين آخرين للمؤلف محب جميل، وهو أن الأوروبيين خدموا موسيقاهم الكلاسيكية خدمات تبدو مثالية، حين انكب المؤرخون منهم على نتاجهم الموسيقي، وعلى سير موسيقييهم، فأشبعوا كل ذلك درساً، حتى أنك إذا دخلت أي محل لبيع الأسطوانات الكلاسيكية في أوروبا، وطلبت العمل رقم كذا لفلان من المؤلفين، لما تردد صاحب المحل في إعطائك ما طلبت؛ لأن كل الأعمال الخالدة في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية مرقمة ومصنفة ومبوبة، فهكذا يحفظ التراث. 

أما عندنا، فكم من مطرب ومطربة، وكم من ملحن أو كاتب أغنيات، مضوا إلى عالم النسيان؛ لأننا لم نحترم هذا التراث في موسيقانا الجميلة، ولم نخش عليه من مرور الزمن.


إبن شبرا

الكتاب في 199 صفحة من القطع الوسط، وتضمن ثمانية فصول، وملاحق اشتملت على أشهر أغنيات محمد عبد المطلب، وقصيدة "عبد المطلب" للشاعر جمال بخيت، ومقال لفادي عبدالله بعنوان "ثلاثون عاماً على غياب محمد عبد المطلب: بنبرةٍ ونفسٍ يقيم حارته"، وقد نشرت في ملحق النهار الثقافي في 4 سبتمبر (أيلول) 2010. 

كما اشتملت الملاحق على بيبلوغرافيا تمثل حصراً لسلسلة واسعة من المقالات والحوارات التي تناولت محمد عبد المطلب في الصحافة المصرية والعربية، والتي من شأنها – كما يقول المؤلف – أن تضيء المزيد حول حياته ومسيرته الفنية، وقد تم الاعتماد عليها بشكل أساسي في توثيق سيرته في متن الكتاب.


وافتتح محب جميل كتابه بما أسماه "مقدمة لا بد منها"، سنعرف منها أن صاحب السيرة المولود في 1910 اختار له والده اسماً مركباً هو محمد عبد المطلب، وأنه اعتاد أن يغني وهو طفل لرفاقه بين حقول بلدته شبراخيت (شمال القاهرة) ما حفظه من طقاطيق المطرب عبد اللطيف البنا، وجاء عام 1924 ليجد عبد المطلب نفسه واقفاً وجهاً لوجه أمام البنا في أحد الأفراح، فما كان منه إلا أن اندفع ليسلم عليه، ويقبل جبينه بين الوصلتين، وعندما أدرك البنا حبه وشغفه بالغناء، قام على الفور بضمه إلى بطانته. وجاء العام التالي ليشهد تحولاً جذرياً في مسار حياة محمد عبد المطلب الاجتماعية والفنية بعد أن وصل إلى القاهرة للمرة الأولى.

وفي القاهرة أقام عبد المطلب مع شقيق له ألحقه بالمدرسة الابتدائية محاولاً إبعاده عن الغناء، لكنه أهمل المدرسة والتحق بمعهد الموسيقى، وكان معلمه الأول وقتئذ هو الملحن داود حسني. وعن ذلك يقول عبد المطلب في حوار أجرته معه مجلة "الاثنين" في بداية عام 1958: "وذات يوم تحشرج صوتي وواجهت أزمة، فأشار عليّ داود حسني أن أصعد إلى مئذنة المسجد في حي المغربلين وأؤذن للفجر لتزول الأزمة الصوتية، فنفذت تعليماته وزالت الأزمة".


مسرح الأزبكية

أما حفلته العامة الأولى فقال عنها في حديث إذاعي عام 1947: "وقفت على المسرح مع المرحوم عبد الحمد القضابي وسامي الشوا بمسرح الأزبكية عام 1926، وغنيت للمرحوم داود حسني وواجهت فشلاً ذريعاً، إذ ملأ صفير الجمهور القاعة فقد اعتبروني دخيلاً على دنيا الطرب". 

ويضيف في مناسبة أخرى: "لقد عانيت حتى نجحت، وعرفت معنى الفاقة وذقت طعم الفشل. أورثتني تلك التجربة اعتقاداً لا يمكن أن أتخلى عنه، وهو أن الثمرة التي تنضج سريعاً تسقط سريعاً، فلا يغرنك النجاح المبكر، فإنه بداية النهاية".


وفي المعهد تعلم كذلك على يد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب النوتة الموسيقية، ثم انضم إلى فرقته كمنشد في الكورس لست سنوات سافر معه خلالها إلى الشام والعراق. يقول عبد المطلب: "ساعدني عبد الوهاب في صقل موهبتي، وعندما قررت الاستقالة من عملي معه، لم يقف في طريقي ولم يثبط عزيمتي".

عمل عبد المطلب مطرباً وممثلاً في صالة بديعة مصابني، التي يصفها بأنها كانت أفضل مصنع لتفريخ المواهب. كما عمل في ملهى "ألف ليلة وليلة" في الإسكندرية، وفي ملهى ببا عز الدين، بعدما راجت اسطوانته "بتسأليني بحبك ليه"، وبات المجال مفتوحاً أمامه ليقيم حفلات في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وتونس والمغرب والجزائر وليبيا، وليدخل عالم السينما حيث مثل في فيلم "تاكسي حنطور"، وفي فيلم "الجيل الجديد"، وأنتج فيلماً ثالثاً... "ولكني لم أنل حقي في السينما ومع ذلك أتمنى أن تقدم قصة حياتي في فيلم" (مجلة الموعد 25 فبراير 1981).

رحلة طويلة امتدت لنصف قرن قطعها محمد عبد المطلب في دنيا الفن، يقول محب جميل. ويضيف المؤلف: "كان له أسلوبه الخاص في الغناء عندما يواجه الجمهور على خشبة المسرح. هذا الأداء المتميز، وملابسه الأنيقة، والطربوش الأحمر الذي يعتمره، جعلوا العديد من المونولوجستات يتنافسون في تقليده". 

رحلة عبد المطلب الفنية صدر عنها في حياته، كتاب محمد السيد شوشة "محمد عبد المطلب ابن البلد" عام 1956، وكتبها محمد سليم اللوزي عام 1962، وأراد عبد المطلب تحويلها إلى فيلم من إخراج صلاح أبو سيف ومن بطولته، لكن ذلك لم يحدث حتى فارق الحياة إثر أزمة قلبية في 21 أغسطس (آب) 1980.