المطران يوسف توما، يكتب: ما خفي في الصوم الكبير

المطران يوسف توما

في هذا الأسبوع يدخل المسيحيون في مسيرة الصوم الكبير. وتتأرجح مدّته بين 40 و50 يومًا، فالمهم أن يتوزّع على سبعة أسابيع، يطرح منها أيام الآحاد "لا يصومون فيها لأن العريس معهم" (متى 9: 15)، وينتهي "سابوع الصوم" بالأسبوع المقدس، أسبوع الاستعداد لعيد القيامة. 

المهمّ أن هذه الفترة تستمل على الرقم 40، نصوم تشبهًا بالمسيح قبل بدء رسالته العلنية، لذا سمي أيضا: الصوم الأربعيني. ونظرا لقدم الكنيسة تراكمت المعاني والرموز وجاء كل جيل ليضيف خبرته وقراءته، لكن ما يجمع الكل هو الوصول والاستعداد للثلاثية الفصحيّة: آلام وموت وقيامة يسوع المسيح.

إنه إذن "صوم كبير"، كبير لكونه مسار يحمل الضوء لينير حياة الكنيسة كلها ويشتمل على عناصر ثلاثة أساسية: الصلاة والتوبة والاقتسام. وهذه العناصر تخفي شيئا مهما لذا تتطلب شرحًا.

إنها قبل كل شيء خبرة فردية (أي تجربة)، على كل جيل أن يجرّبها، التجربة مهمة ومعروضة في الصوم الكبير وهي أكبر وأجمل مما يعتقد المرء في الظاهر. 

أي إنها تتطلب إعطاء وقت أكثر للصلاة والاقتسام مع الآخرين، واختبار معاني "التخلي" عن أشكال الإدمان والرفاهية بالصيام وبالتوبة (تغيير العادات) والتكفير عن الذنوب، وهذا قد يؤدي عند بعضهم إلى الوقوع إما في الحزن أو في التقوى الكاذبة الفريسيّة.

منذ بداية إنجيل متى، يتطرق يسوع إلى الصيام، والغريب أنه يدعو من يصوم إلى الابتسامة ووضع العطر، كي لا يشتم أحد حزنه، ولا يظهر وجهًا غاضبًا وعابسًا، بل على العكس أن يعمل دعاية مضادّة فيثير إعجاب الناس، كما لو فاز بجائزة، إنها جهود ومظاهر الحياة الروحية الإيجابية! 

فالمسيح يستنكر ما يفعله النفاق الاجتماعي لدينا وفينا عندما يهدّد ما نفعل خصوصا أمام الناس وفي الأماكن العامة كالصلاة وممارسة الصيام المفضوح بالطبل والزمارة وكذلك إعطاء الصدقة أمام الجميع "كي يراك الناس". الصوم والصلاة والاقتسام بالنسبة إلى المسيح هي أولا دخول في مثل حوار للمسيح مع الله الآب.

غاية الصوم إذن هي الغوص في أعماق الروح، حيث يكون حضور الله "في الخفية" بلا ضجيج ولا حدود. فيتمكن المؤمن أن يصير "حاجًا إلى قلبه"، وينتقل من السطحية العادية التافهة إلى نبع كيانه. 

وفي زمن جائحة كورونا هذا الذي قلل السفر، لم يعد لدى المؤمن سوى أن "يختبر" هذه الرحلة العظيمة نحو الله الحاضر في روحه. وقد أسماها المعلم إيكارت (+1328) "قاع الروح الذي بلا قاع". أي عندما ينزل إلى أعماق الروح، لن يصطدم المؤمن بالجدار، بل سيكتشف النبع الحي للنعمة التي حصل عليه يوم عماذه وبقي النبع هناك بلا استكشاف.

كما أن الصلاة أكثر بكثير من مجرد طلب أو "تلاوة قليلة"، فهي تظل أسمى وأهم وأروع عمل إنساني. يمكن أن تكون الصلاة قصيرة، لكنها ليست صغيرة. "الصلاة الملفلفة" تبقى معاملة مؤسفة مع هدفها. المسيح الابن الذي صار إنسانًا، يصلي إلى أبيه ويدعوه "أبّا"، وتعني "بابا" بلغته الأم، الآرامية. 

لم يخاطب أي مؤمن من العهد القديم الله بهذه العبارة قط. أما يسوع فيتحاور مع أبيه بثقة وحنان. لذا فالصلاة لا تعني "تلاوة"، بل أن ندع الروح القدس يصلي فينا "أيها الآب، يا بابا!". "نحن لا نصلي، بل هو يصلي فينا"، هذا ما كان المعلم إيكارت يقوله معتمدًا على القديس بولس (في روم 8، 15؛ وغلاطية 4، 6).

القديس سيرافيم ساروف (+1883)، وهو من أشهر القديسين الروس، كان معاصرًا لكارل ماركس وتوفي في نفس السنة 1883)، يشاركنا بخبرته مع الله بشكل مدهش حقًا، فيقول: إن "هدف الصلاة ليس سوى الحصول على الروح القدس"!

هكذا بالنسبة إلى تلميذ المسيح الصلاة، هي صلاة بالروح القدس. به يصل المصلي إلى "حالة الصلاة" وليس بكلماتها. لذا بدل أن تكون الصلاة جهدًا وعملا، ستصبح حالة اتحاد مع الله. وأولئك الذين يحبّون الله المحبّ، سيحبّونه طول الوقت، حتى دون تفكير في ذلك.

بالروح القدس إذن يلتفت المؤمن إلى الآب، وكل وقت مناسب للارتفاع إلى الله، كما نقول في القداس الكلداني: "ارفعوا أفكاركم إلى العلى، إليك يا إله إبراهيم واسحق ويعقوب، أيها الملك المجيد". 

إنها صلاة ترتبط بالصوم والتكفير عن الذنب وهما: دخول في جهاد المسيح يسوع ضد الشر والشرير. لكن لا يمكن اختزال قطاعة الصوم الكبير بمجرد تكفير وسيطرة على الغرائز والميول والادمانات، أو لإحياء ذكرى عادية لصوم مارسه يسوع في البرية مدة أربعين يومًا في بداية حياته العلنية. إنما صوم الرب هو تواضع ابن الله الذي تجسّد وصار إنسانًا ليخلص البشر، ويواجه الشيطان.

أما عمليًا فعندما تطلب الكنيسة صيام أول يوم من الصوم والجمعة العظيمة، وفي باقي الوقت، تترك الخيار لكل مسيحي لما يراه مناسبا أن يتخلى عما يعجبه ويتنازل ويكفر عن ذنوبه بشكل يتلاءم مع سنّه وحالته وصحته. لكن عموما بالنسبة للإيمان المسيحي إن الصوم والتكفير عن الذنب، مثل الصلاة والاقتسام، يعيشها المسيح مع المؤمن وفيه. 

وهذه خطوات أكبر وأجمل مما تبدو في الظاهر. فالأمر يتعلق بمفهوم نعمة الله العاملة في الإنسان. أما الكبرياء والرياء فهما قطبان بعيدان عن سر الصوم الكبير، حيث تقود خبرة الله إلى التواضع والشكر. لنقرأ مرّة أخرى مَثَلَ "صلاة العشار والفريسي" (لوقا 18: 9 وما بعدها)، حيث كشف يسوع بوضوح دامغ الانحرافات الروحية لدى الإنسان "المتديّن" الذي يمدح ويمجّد نفسه ولا يبحث عن رحمة الله التي يعلنها أشعيا النبي: "كل أعمالنا أنت فعلتها لنا" (26، 12). الأعجب في يسوع أنه يقول يمكن للصلاة والصوم والاقتسام أن تصبح مناسبة لخطيئة الكبرياء واحتقار الآخرين!

الاقتسام: دخول في فصح المسيح يسوع

لقد أصابت جائحة كورونا الملايين من الناس وقتلت عددا لا يستهان به منهم، لكن الجوع لا يزال يقتل المزيد. فالذين يموتون من سوء التغذية ونقص الطعام من البالغين والأطفال من نقص الحليب وسوء التغذية كل عام هم أكثر بكثير من ضحايا كورونا. 

لذا المؤمن الحقيقي يدعى – في زمن الصوم خصوصا - إلى اقتسام ما لديه مع المحتاجين والفقراء. وهذا عمل تضامن ومحبة، يرتبط بالمشاركة في محبة الله الثالوث، كمشاركة الأقانيم الإلهية، حيث الآب والابن والروح القدس إله واحد بالمحبة.

الصلاة والصوم والاقتسام إذن ثلاثة عندنا كالمرآة تعكس ثالوث الله، عليها أن تكون مترابطة يقوّي أحدها الآخر. صلاة تؤدي إلى توبة ومشاركة. وزكاة (أو صدقة) تنقي القلب وتنشط الصلاة وضرورة التكفير عن الذنب.

ولد الصوم الكبير وترعرع لدى المسيحيين الأولين، بسبب حاجتهم إلى وقت لتحضير معموذيتهم كموعوظين سيولدون من جديد ليلة عيد القيامة من الماء والروح القدس، فاستقر الصوم الكبير في البيوت والعائلات كزمان تجديد في علاقاتها وعقلياتها وغسل النفس البشرية: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات" (متى 3: 2).

إن التوبة (أو التحوّل) تعني "الالتفاف" حول الصخرة التي سنصطدم بها لو استمرّينا في طريقنا المعتاد، هكذا هو الابتعاد عن الشر واللجوء إلى الله. وبذلك سيختبر من يطلب الرب فرح الله في أعماق قلبه.

هكذا يعزز الصوم الكبير التقدّم في المعرفة ويقرّب من حقيقة الله. وفوق كل شيء، يحمل الصوم بشارة دعوة لكل إنسان إلى المشاركة في حياة الله من خلال المسيح المنتصر على الموت، فيؤول كل ذلك للاحتفال بعيد قيامة المسيح المنتصر على الموت، الذي سيجعل كل يوم أحد، فصحًا أمام صليب مزهِر في فرحة من يقولون بلا كلل: "قام المسيح، حقا صحيح".