نجيب الريحاني: لم أجد طعاماً ولا مأوى غير قهوة الفن فى النهار وكوبري قصر النيل فى الليل

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

الحياة رحلة شاقة وطويلة يوما مشرق مبهج جميل ويوما أخر سودوى قاسى لا يرحم نحيب أحبائه وأيضا الحياة تشبه موج البحر تارة عالى مرتفع ثائر صاخب.



وتارة ناعم هادئ يحلو لك الوقوف أمامة هكذا كانت حياة الفنان المبدع نجيب الريحانى الذى عند قراءتي لمذكراته الشخصية لم أتخيل أن هذا الوجه البشوش الفكاهى الذى يغلب عليه أحيانا مسحة من الحزن قد عانى كثيرا فى حياته حتى أنه كان يلجأ إلى الشارع وأحجاره ليتخذ منهم فراش ووسادة حتى يعبر به الليل وأذا به يعود إلى قهوته المفضلة ليتخذها ملجأ له فى النهار.


وقبل إن إسرد تلك التفاصيل أتتطرق إلى حياته الأولى منذ أن كان طفلا صغيراً، ولد نجيب الريحانى فى القاهرة عام 1889 لأم مصرية واب عراقى واثنين من الأخوات.

تلقى تعليما جيدا فى مدرسة الفرير بالخرنفش حتى أنه كان يجيد اللغة الفرنسية أجادة تامة وكان يميل ميلا شديدا إلى دراسة أداب اللغة العربية ومن خلال ذلك تكشفت لنفسه وبتشجيع شديد من معلمه الخاص الشيخ بحر أنه موهوب للغاية فكتب فى مذكراته يقول (كان الشيخ بحر يسر كثيرا حين كنت القى بعض المحفوظات بصوت جهورى ونبرات تمثيلية وأشارات تفسيرية، وما إلى ذلك مما كان يعتبره الشيخ بحر نبوغا وعبقرية).

وهكذا تولدت عنده هواية التمثيل كما انه كان دائما يقوم بتمثيل بعض الروايات هو وزملائة فى المدرسة وبعد ان أنهى نجيب الريحانى فترة تعليمه المدرسى إلتحق بوظيفة فى البنك الزراعى ولكن لحبه الشديد للتمثيل تم فصله من هذه الوظيفة.


ثم تم تعينه مرة اخرى كموظف فى مصنع للسكر بنجع حمادى ولكنه ايضاً لم يستطيع الأستقرار فيه، ومن ثم سئمت والدته من عدم أستقراره فطردته هى الأخرى من البيت فيقول أيضاً (ظللت على هذا المنوال لمدة 48 ساعة لم أجد طعاماً ولا مأوى غير قهوة الفن فى النهار وكوبري قصر النيل فى الليل).

وكانت فترات عدم الأستقرار هذه يتخللها إلتحاقه ببعض الفرق المسرحية أنذاك والتى ابدى فيها تفوقا مهولا وأستحسانا غير عاديا من الجماهير ولكنه قبل بالأحقاد من أعضاء الفرقة ومن ثم رفده التحق بعد ذلك بالعديد من الفرق المتجولة والتى كانت تسافر لتقديم عروضها وكان فى قراره نفسه انه لا يصلح سوى للعب لون واحد من الأدوار وهو الدراما.


حتى عرض عليه ان يلعب دور كوميدى فخاف بشده فى ذلك اليوم وكان يتمنى لو استطاع الهرب لكنه جمع شتات نفسه وظل يحاول أمام المرآة ثم ظهر على المسرح مؤديا الدور ببراعة حتى جذب انتباه الجماهير اليه وابدى نجاحا كبيرا وكانت ذروة نجاحه عندما أبتدع فى خياله وهو نائم شخصية كشكش به الذى أصبح منقذا له من بعد ضيق الحال وعوضه كثيرا عن أيام الذل والفقر الذى عانى منها فقد نجح كشكك به حتى ان مصر كلها كانت لا تتحدث سوى عن هذه الشخصية ومن هنا فتحت له ابواب المجد والغنى.

وبعد أن كانت والدته دائما تلعن وتشتم هذه المهنة وبعد ان كانت حانقة وغاضبه عليه زارته فى المسرح وذلك بعد ان حدث موقف غير تفكيرها ففى يوم كانت فى عربة الترام وسمعت بعض من الشباب يتحدثون بإعجاب شديد عن كشكك به وما فعله على المسرح وما هى إلا أنها صاحت واقفة امامهم (تقول كشكش بيه ده يبقا ابنى) كانت رحلة نحيب الريحانى رحلة كبيرة وشاقة وطويلة فى المسرح.

بها الكثير من الفقر والفشل والأحقاد والكثير من النجاح والغنى والأمجاد فقد تعرض للموت مرات عديدة ومنها  من اطلق نار عليه اثناء  تمثيله ولكنه هرب سريعا محاولا النجو بحياته هذه نبذه بسيطة عن حياته الفنية والعملية والتى كانت المادة الأساسية فى كتابة مذكراته ولم يتطرق إلى حياتة الشخصية الا بالقليل. 

ولكن نجيب الريحانى تزوج من سيدتين الأول فرنسية لوسي دي فرناي وقد لمح إليها فى كتابه انها كانت السند المعين والتى بعد ان افترقا أحس ان الدنيا أظلمت فى عينية وحلت به الكثير من المصائب والكوارث وكانت حبه الحقيقى حتى بعد فراقهم بسنوات ذهب يبحث عنها فى فرنسا وعن طريق المصادفة وجدها وحينها صمم على الزواج منها اذا كان لم يتزوج منها رسميا بعد.

الا انه اثناء ذلك كان متزوج في مصر بشكل رسمي كنسي من الفنانة بديعة مصابنى ولأن فرنسا لا يوجد بها زواج كنسى أنذاك فكان زواجه من بديعة مصابنى لا يعتد به فعلى الفور تزوج من لوسى دى فرناى زواجا مدنيا وانجب منها ابنة اصبحت بهجة حياته والتى ذكرت فى أحدى حواراتها أن والدها كان يتمنى فى كل هذه الرحلة الشاقة أن يحبه أنسانا واحد بصدق ليس لأنه الفنان نجيب الريحانى بل لانه كان شخص حنون وطيب للغاية.


جنازة نجيب الريحاني

اما عن وفاته فقد توفى بسبب مرض التيفويد تاركاً ورائه حياة غنية على المستوى الشخصى والمستوى الفنى فيلقب بزعيم المسرح الفكاهي.