هنرى بركات سحر السينما

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

كما يمسك الرسام بريشته ويبدع فى رسم أبهى اللوحات الفنية مستخدما أجمل العناصر والألوان ليصنع أحلى تكوين فنى يخطف الأبصار والقلوب، هكذا أيضا فعل المخرج العبقرى هنرى بركات.



فهو أحب المخرجين إلى قلبى يتميز برومانسية وحس فنى مرهف ليحول برشاقة وخفة القصة المكتوبة أمامه على الورق لتابلوه متناسق الألوان، لا يشذ منه لونا أو ينحرف عنه خطأ تماما ككل مشاهد أفلامه التى تأتى مترابطة متجانسة، كل منها يكمل الأخر دون زيادة أو نقصان، لتتجلى أمامى بوضوح عند رؤيتى ﻷحد أعمالة كلمة سحر السينما.

هنرى بركات من مواليد حى شبرا ﻷسرة عادية مكونة من الأب والأم وأربعة إخوة، إلا أنه فقد أحد أخواته عندما كان يلعب أخيه ذات يوم على سلم المنزل مع ابنة الجيران وفى لحظة مشئومة دفعته الفتاة دون قصد فوقع مرتطما بالأرض فاقدا للحياة.

عاش هنرى حياته مع والديه وأخواته الثلاثة فى جو عائلى يسوده الدفء والمحبة والسلام، كان أبوه دائما يعود إلى المنزل حاملا وردة ﻷمه ولا يوما تخلى عن تلك العادة لتترك قصة الحب هذه بين والديه أثرا رائعا فى نفسه، وربما مظاهر الحب التى عاش فيها هى التى جعلت أفلامه تنبع بصدق الإحساس والعاطفة ودفء المشاعر.

تعلم هنرى فى مدرسة الفرير بحى شبرا، وكان متميزا فى دراسته بل من المتفوقين وتمنى لو أصبح طبيبا كوالده، لكن والده رفض دخوله كلية الطب، واقترح عليه دراسة القانون فالتحق هنرى بكلية الحقوق بناء على رغبة والده فى ذلك الحين، وبعد تخرجه من الجامعة حاول العمل فى مجال القانون، إلا أن مجال القانون لم يكن يستهويه على الإطلاق.

ولم يخطر فى باله يوما العمل بالسينما أو أن هذا النوع من الفن يستهويه، إلا أن القدر يدرك جيدا ذات الإنسان ونفسه أكثر مما يدركها هو فيرتب خطواته بصورة رائعة ليكتشف من خلالها مواهبه وإمكانياته.

وبالمصادفة عرض عليه أخيه الكبير ذات يوم أن يستثمروا ميراث أبيهم فى إنتاج فيلم بعد أن شاهد أخيه أحد المصورين من معارفه قام بصناعة فيلم، ونجح هذا الفيلم نجاحا كبيرا وربح كثيرا من الأموال.

فوافق هنرى من منطلق التجارة والربح ليس إلا .. وبدأوا فى إنتاج فيلم عنتر أفندى الذى تشاركوا فيه بالمال فقط، ومن هنا كانت رحلته فى عالم السينما ليجلس مترقبا كواليس العمل من إخراج وتمثيل لكنه وجد بحسه الفنى الفطرى أن الفيلم به الكثير من الأخطاء ويخلو من المنطق فى أحداثه الدرامية، وكان يناقش المخرج فى هذا قائلا له رأيه ببساطه شديدة، إلا أن المخرج كان يعترض على أفكاره وسرعان ما فشل الفيلم وخسر هنرى وأخيه خسارة فادحة.


لكنه صمم على دراسة قواعد هذا الفن وأصوله، وكان أحد أخواته يعمل فى باريس فسافر إليه ليحاول أن يلتحق بأحد المعاهد هناك، ولكنه لم ينجح فى ذلك فبدأ يذهب بنفسه إلى استوديوهات تصوير الأفلام ليتلصص ويتجسس على كواليس العمل وكيف يعمل المخرج والمصور وكيف يؤدى الممثلون أدوارهم، وقد واجه الكثير من الصعوبات فى السماح بدخوله لتلك الاستوديوهات لكن إصراره فى النهاية هو ما جعله المخرج العبقرى هنرى بركات الذى ترك للسينما أجمل الأفلام منها.

دعاء الكروان، هذا الفيلم الذى كتبه طه حسين وكان صاحب فكرة تحويل هذه القصة لفيلم سينمائى فريد الأطرش، وتمنى فريد لو يقوم هو بدور البطل لذلك جاء بهذه الرواية لهنرى بركات، ولكن هنرى أوضح له أنه لا يصلح لهذا الدور.


ظلت فكرة تحويل هذه الرواية إلى فيلم فى ذهن هنرى، ولكنه كان يخشى تلك الأجواء الريفية وكيفية التصوير والتعامل معها حتى بدأ يتلامسها ويتعامل معها فى فيلمه حسن ونعيمة، ثم تمكن من أدواته ورسم خطته المحنكة فى تجسيد دعاء الكروان التى باتت سيمفونية رائعة فى تاريخ السينما المصرية، وكثير من السيمفونيات التى تركها لنا على الشاشة مثل أفواه وأرانب، والحب الضائع، وفى بيتنا راجل.

والباب المفتوح أحد إبداعاته وهى قصة الناقدة والكاتبة لطيفة الزيات، كل هذه الأفلام تشترك فى ثقل الفكرة المطروحة وروعة تجسيدها بالطريقة المنطقية التى تعلمها من دراسته للقانون، ففى أحد حواراته قال، إنه تعلم من القانون فن المنطق، ليترك لنا رصيد عظيم من أفضل أفلام السينما المصرية التى حازت على العديد من الجوائز.