صدر مؤخراً كتاب لبنان الكبير من "سحر الخطأ التاريخيّ" إلى الدور الحضاريّ المُرتجى

مسيحيو دوت كوم

صدر مؤخراً عن دار سائر المشرق كتاب بعنوان: "لبنان الكبير: من "سحر الخطأ التاريخي" إلى الدور الحضاري المرتجى" للدكتور أمين الياس، يقعُ الكتاب في 64 صفحة.

في هذا الكتاب قسمان رئيسيّان: في الأوّل نجد قراءة استخلاصيَّة للمئة سنة المنصرمة من تاريخ هذا الكيان الحديث الولادة بما تضمّنته هذه المئويَّة من إشكاليَّات أرخت بثقلها على المحطات المحوريَّة من تاريخ هذا "اللبنان الكبير". أمَّا في القسم الثاني، فيَخرح فيه الكاتب من عباءة المؤرّخ ليأخذ دوره كمواطن يحاول استخراج مشروع فكرة-أمّ من معاناته الوطنيَّة. فكرة تقوم على "العلمانيَّة الشخصانيَّة" بما هي من نظام حياة يفصل ما بين الشأن السياسي والاجتماعي العام والشأن الديني والروحي الخاص، بما يحترم حريَّة ضمير الكلّ مساويًا ما بين كلّ المواطنين على المستويات المعنوية والقانونيَّة. علمانية تقوم على محوريَّة الشخص بما هو مصالحة ما بين أبعاد ثلاثة: الفرد، والآخر (بما يعنيه هذا الآخر من جماعة) والبُعد الما-فوقي أو الروحي. 


لبنان الكبير: حلم وهزيمة

ربَّما يكون حدث إعلان دولة لبنان الكبير في الأوَّل من أيلول 1920 أهمّ الأحداث التي شهدها لبنان منذ ذلك التاريخ وحتَّى يومنا هذا. ذلك أنَّ الأحداث اللاحقة مقارنة بهذا الحدث لم تكن إلَّا هزَّات ارتداديَّة لولادة كيان شاءَه جزءٌ من أبنائه ورفضه الجزء الآخر. 

في الواقع، وفي حين كانت هذه الولادة خاتمة نضال طويل خاضَه الموارنة (بقيادة الكنيسة المارونيَّة وبعض المثقّفين والأحزاب والجمعيَّات اللبنانيَّة التوجُّه) الذين اعتبروا أنَّ لبنان الكبير هو التحقُّق الواقعيّ والقانونيّ لحلمهم التاريخيّ، كانت بالنسبة للمسلمين عامَّة، وللسُنَّة خاصَّة، هزيمة سياسيَّة وخيبة أمل ببناء دولة عربيَّة موحَّدة تكون التحقُّق التاريخيّ لتصوُّرهم العربيّ. وممَّا زاد الطين بلّة عندهم أنَّ هذه الدولة العربيَّة كانت التعويض المعنويّ والواقعيّ الوحيد للفراغ، الذي وجد العرب المسلمون أنفسهم فيه بعد العام 1924 إثر إلغاء أتاتورك الخلافة الإسلاميَّة. صحيح أنَّ فكرة القوميَّة العربيَّة، أو العروبة، نادى بها في البداية العديد من مُفكّري النهضة الأولى المسيحيّين من أمثال بطرس وسليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وأمين الريحاني وغيرهم، وهي كانت بالنسبة لهؤلاء الأرضيَّة المشتركة التي يمكن أنْ تجمعهم مع المسلمين من أجل النضال ضدّ الأتراك. غير أنَّ المسلمين بغالبيَّتهم الساحقة لم يستطيعوا الخروج من فكرة ومقولة أنَّ العروبة هي الإسلام. بتعبير آخر كانت العروبة عندهم تعويضًا معنويًّا ومشروعًا يمكن أنْ يحلّ مكان نموذج الخلافة الإسلاميَّة. إذًا، في هذا المرحلة، كُنّا أمام فريقَيْن: أوَّل مسيحي ماروني يعتبر لبنان ابن نضاله وتحقيقًا لحلمه التاريخي، وبلدًا يمكن للمسيحي أنْ يعيش فيه حرًّا، سيّدًا، قادرًا على تحقيق ذاته الإنسانيَّة وعلى فرض وجوده وهويّته في عالمٍ مُتجدّد ومُتطوّر؛ وثانٍ مسلم بغالبيَّة سنيَّة (ذلك أنَّ الشيعة والدروز لم يكونوا قد بلوروا توجُّهًا سياسيًّا واضحًا آنذاك)، يعيش حالة هلعٍ وضياع سبّبهما إلغاء الخلافة لتُعمّقهما في ما بعد ولادةُ دولة لبنان الكبير وسقوط مشروع الدولة العربيَّة الموحَّدة.

جاء العام 1936 بتغيُّراته الاستراتيجيَّة الكبرى نقطة تحوّلٍ في موقف المسلمين من لبنان. فالسوريُّون، المطالِبون بإعادة ضمّ المناطق الملحقة بلبنان عام 1920، استغنوا عن مطالبتهم بحُكم المعاهدة الفرنسيَّة-السوريَّة، مُفضّلين صبَّ جهودهم على توحيد أقاليم سوريا الأربعة (المنطقة العلويَّة، والمنطقة الدرزيَّة، حلب ودمشق). بينما انقسم المسلمون السُنّة في لبنان فريقَين: أوَّل أصرّ على الوحدة السوريَّة-العربيَّة، وآخر بدا أكثر واقعيَّة وتقبُّلًا لفكرة الكيان اللبنانيّ المستقلّ على أنْ يكون جزءًا من عالمٍ عربيّ على طريق الاتّحاد (وهو النموذج الذي عكسته في ما بعد جامعة الدول العربيَّة). تجرّأ كاظم الصلح، في مقالته التي تحوَّلت كُتيّبًا «مسألة الاتصال والانفصال في لبنان»( )، على دعوة المسلمين إلى الاعتراف بلبنان الكبير والاتّفاق مع المسيحيّين على مشاركتهم السلطة وإدارة البلاد بانتظار تحقُّق الحلم الكبير بإقامة الدولة العربيَّة الموحَّدة أو الاتّحاد العربيّ بموافقة الجميع بمن فيهم المسيحيّون والموارنة أنفسهم. تلاقى هذا الموقف مع التوجُّه المارونيّ الاستقلاليّ بقيادة يوسف السودا، وكانت ترجمة هذا التلاقي بميثاقٍ وطنيّ أوَّل مكتوب( ) في العام 1938 كان أساس الميثاق الوطنيّ الشفهيّ الذي اتّفق عليه رياض الصلح وبشارة الخوري في العام 1943( )، وعكساه في خطبهما وبياناتهما الوزاريَّة والتعديل الدستوري الذي جرّد الانتداب الفرنسيّ من كلّ صلاحيَّاته الدستوريّة.

طبعًا كانت التسوية طائفيَّة. إذ إنَّها قامت بين جماعتَين دينيَّتَين وثقافيَّتَين مُختلفَتَين: المسيحيِّون والمسلمون. وكان كلٌّ من الصلح والخوري مُدركَين لهذا الواقع. من هنا استفاضة كلّ البيانات الوزاريَّة والخطب الرئاسيَّة والمشاريع السياسيَّة بالتشديد على الطابع الموقَّت للطائفيَّة إلى حين بناء المجتمع المدنيّ على أساس المواطَنَة والهويَّة اللبنانيَّة والتربية المدنيَّة. حتّى أنَّ المواد المتعلّقة بالطائفيَّة في الدستور اللبناني هي ذات طبيعة موقَّتة كما بيّنته دراسات العلَّامة الدستوري إدمون ربّاط( ).

غير أنَّ رياح المنطقة جرت بما لم يكن يتوقّع أرباب التسوية اللبنانيَّة آنذاك. اصطدم العرب بعضهم ببعض حول مشاريع الوحدة العربيَّة، فهذا ينادي بالهلال الخصيب، وذاك ينادي بسوريا الكبرى. ثمَّ كان إعلان دولة إسرائيل في العام 1948 لتليها هزيمة الجيوش العربيَّة في العام نفسه وهجرة مئات آلاف الفلسطينيّين إلى الدول المحيطة ومنها لبنان. تشظَّت المنطقة بين سياسات أحلافٍ متناقضة، ثم كان تحوُّل الأنظمة العربيَّة إلى الدكتاتوريَّة العسكريَّة يزايد كلٌّ منها على الآخر بعروبته ووفائه للوحدة العربيَّة وللتحرُّر العربيّ من الاستعمار وللقضيَّة الفلسطينيَّة. كان على لبنان، هذا الكيان الحديث الولادة والدقيق المعادلات، أنْ يتعامل مع كلّ هذا الضغط المتأتّي من الخارج والمسبّب لتردّدات داخليَّة. توقَّفت مسيرة التطوّر السياسيّ مباشرة، وكان التجديد للرئيس الخوري العام 1948 بما يمثلّه من خرقٍ للدستور خير دليل على ذلك. فجأة سقطت كلُّ مشاريع التطوير السياسيّ في لبنان التي كان يُفترض بها أخذه أكثر باتّجاه العلمانيَّة وإلغاء الطائفيَّة. وعلى الرغم من محاولة الرئيس فؤاد شهاب إبَّان الستينيَّات إجراء بعض الإصلاحات فإنَّها اقتصرت على المجالات الإداريَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ولم يستطع المسّ بطبيعة النظام الطائفيّ اللبنانيّ.

على الرغم من الازدهار الذي شهده لبنان، ومحافظته وحيدًا في الفضاء العربيّ على شكلٍ من الديمقراطيَّة وتداول السلطة ومساحة للحريَّات الفرديَّة والجماعيَّة وللِّقاءٍ بين التيَّارات الفكريَّة والدينيَّة والسياسيَّة المختلفة، فإنَّ الطائفيَّة كانت حاجزًا أمام تشكيل شعبٍ لبنانيّ على أساس المواطَنة. سقطت كلّ مشاريع القوانين المدنيَّة في المجلس النيابي بحجَّة أنَّها لا تتلائم والشريعة الإسلاميَّة. وبالمقابل سقطت كلّ المطالب بتعزيز مشاركة المسلمين في السلطة السياسيَّة بحجّة الدفاع عن الامتيازات المسيحيَّة. فكان أنْ خرجت على لسان السيّد مُنح الصلح فكرة استئثار المارونيَّة السياسيَّة بالسلطة( ).

ظلّ النقاش مُحتدمًا بين تيَّار الهويَّة اللبنانيَّة وتيَّار العروبة ليتحوَّل صراعًا سياسيًّا دائمًا كان يتفجّر عند كلّ لحظةٍ تتكامل فيها عناصر التفجُّر الداخليَّة والخارجيَّة كما حصل عامَي 1958 و1969. ثم أتى صعود الناصريَّة ومن بعدها صعود نجم المقاومة المسلَّحة الفلسطينيَّة التي حوَّلت مخيَّمات لبنان، بدعمٍ عربيّ ولبنانيّ-إسلاميّ، إلى معسكرات وثكنات عسكريَّة، ليعلنا بدء انهيار تسوية العام 1943 بين المسيحيّين والمسلمين.

جاء العام 1975 عامًا فاصلًا في تاريخ لبنان السياسيّ لما عناه من تكريسٍ للانقسام المسيحيّ-الإسلاميّ في لبنان حول هويّته وشخصيَّته ودوره ونمط حياته وعلاقاته وحتّى ديمومته وطبيعة نظامه السياسيّ والاجتماعيّ( ).


أخطأ تاريخي؟

للمرّة الأولى بعد إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920 والتسوية الميثاقيَّة العام 1943 بدأ المسيحيُّون التفكير بإعادة النظر بلبنان الكبير. مُذَّاك تصاعدت موجة المسيحيّين الذين يلومون البطريرك الياس الحويّك على إصراره على حدود لبنان الكبير وضمّه تلك المناطق ذات الغالبيَّة المسلمة. كثيرون منهم أيضًا ندموا على تسوية العام 1943 ورأوا وقوف المسلمين إلى جانب كلّ التيَّارات العربيَّة وصولًا لتفضيلهم البندقيَّة الفلسطينيَّة على سيادة لبنان واستقلاله وازدهاره وأمنه وجيشه خرقًا فاضحًا لميثاق 1943. هنا علت بينهم المطالبات بالعودة لحدود لبنان الصغير. وقد يكون الكتاب الضخم (الذي هو كناية عن مجموعةٍ من الكتيّبات الصادرة عن نخبةٍ مُفكّرة في جامعة الروح القدس الكسليك) أدلّ تعبير على شعور الخيبة لدى النخبة المسيحيَّة من تجربة العيش مع المسلمين؛ كان عنوان الكتاب: «لبنان الكبير مأساة نصف قرن»( ).

قد تكون هذه النخبة أوَّل من طالب بثنائيَّة العَلْمَنة والفَدْرَلة في لبنان. وهي أوردت اقتراحاتها في المجلّد المذكور آنفًا حيث طُرح «الحلّ الفدراليّ» كسبيلٍ للخروج من أزمة النظام السياسيّ في لبنان. كان هذا الاقتراح موجَّهًا من نخبةٍ مسيحيَّة إلى المسلمين اللبنانيّين تقول لهم فيها ما معناه: إمَّا العَلْمَنَة وإمَّا الفَدْرَلَة. كان هذا الاقتراح محاولة ردّ على مقالةٍ لمدير عام دار الإفتاء في الجمهوريَّة اللبنانيَّة، السيّد حسين القوتلي، يُعبّر فيها بصدق عن الوجدان المسلم، خاصَّة السنيّ منه. يقول في مقدَّمة مقالته المنشورة في 18 أيلول 1975( ): «إمَّا أنْ يكون الحاكم مسلمًا والحكم إسلاميًّا فيرضى عنه [المسلم] ويؤيّده وإمَّا أنْ يكون الحاكم غير مسلم والحكم غير إسلاميّ فيرفضه ويعارضه ويعمل على إلغائه باللين أو بالقوّة بالعلن أو بالسرّ. هذا موقف واضح [...] هو في أساس عقيدة المسلم. وإنَّ أي تنازلٍ من المسلم عن هذا الموقف أو عن جزءٍ منه، إنَّما هو بالضرورة تنازلٍ عن إسلامه ومعتقده [...]».

طبعًا يجب ألّا ننسى هنا توجّهات الشيعيَّة السياسيَّة، بعد تغييب الإمام موسى الصدر، التي ذهبت بمعظمها إلى تبنّي النموذج الإسلاميّ الإيرانيّ -بعد ثورة العام 1979- وربما خير دليل على ذلك ليست فقط شرعة حزب الله السياسيَّة الصادرة العام 1985 والتي يعلن فيها هدفه بجعل لبنان جزءًا من الجمهوريَّة الإسلاميَّة بقيادة الوليّ الفقيه( )، بل بمشاريع الدساتير الإسلاميَّة التي عمل عليها كثيرٌ من الأئمة الشيعة من أمثال محمد حسين فضل الله وغيره (مع أنَّهم عادوا وحادوا عن هذه المشاريع في ما بعد، لكنّ الواقعة كانت قد وقعت)، دساتير تهدف لتحويل لبنان، بعد أسْلَمَة مُجتمعه إلى دولة إسلاميَّة تحكمها «الديمقراطيَّة العدديَّة» الطائفيَّة الإسلاميَّة( ).

وعليه حكمت ثنائيَّة الفَدْرَلَة-العَلْمَنَة كلَّ الجدل السياسيّ-الفكريّ في لبنان حتَّى كان اتّفاق الطائف عام 1990، اتّفاق فرضته التحوُّلات الدوليَّة والإقليميَّة في منطقة الشرق الأوسط على لبنان بحيث يوضع هذا البلد الصغير تحت الوصاية السوريَّة بموافقة الدول الكبرى ومباركتها، وأهمّها الولايات المتحدة الأميركيَّة.


تسوية ما بعد الطائف: اِستمرار سحر لبنان الكبير

اِنسحب الجيش السوري ومخابراته من لبنان في نيسان 2005 إبَّان تحوُّلات إقليميَّة ودوليَّة ومحليَّة أهَّمها أحداث 11 أيلول 2001 والاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. عادت «المارونيَّة السياسيَّة» لتحتلَّ مكانها في النظام الطائفيّ اللبنانيّ بعد إبعادٍ دام خمسة عشر عامًا إثر هزيمة 13 تشرين الأول 1990، بعد أنْ كانت الطائفيَّات السياسيَّة الإسلاميَّة قد تقاسمت مغانهما برضا وتحكيمٍ سوريَّين.

كان من المنطقيّ أنْ تصطدم طموحات «المارونيَّة السياسيَّة» المتجدّدة بإرادة الطائفيَّات الإسلاميَّة المحافظة على مغانمها. وعلى الرغم من انقسامها السياسي، برزت رغبة عارمة عند جميع أطياف المسيحيَّة السياسيَّة لاسيَّما المارونيَّة منها بزيادة حصّتها من النظام الطائفيّ السياسيّ في لبنان والتي مثَّل التيَّار الوطني الحرّ بقيادة الرئيس ميشال عون أبرز تجليَّاتها.

وربّما كان الشلل التام الذي ضرب الدولة اللبنانيَّة منذ العام 2005 حتى أيلول 2016 أبرز دليل على انتهاء صلاحيَّة اتّفاق الطائف كما طُبِّقَ منذ العام 1990. مثّلت الأزمة الرئاسيَّة بين عامَي 2014 و2016 ذروة هذا الشلل، لتأتي الانتخابات الرئاسيَّة بعدها محطة-مفترقًا حاولت فيه «المارونيَّة السياسيَّة» تعزيز دورها في النظام السياسيّ من خلال فرض «رئيس قويّ تمثيليًّا»؛ وقد جوبهت هذه المحاولة بعنادٍ إسلاميّ راغب بالمحافظة على امتيازاته التي حصل عليها إبَّان الحقبة السوريَّة.

خلال فترة الفراغ الرئاسيّ برزت أصوات تُعيد التذكير بجدليَّة الفَدْرَلَة والعَلْمَنَة. في محاضرةٍ في مركز عصام فارس في 22 تشرين الأول 2014 عبَّر الرئيس إيلي الفرزلي عن حقيقة رفض الزعماء المسلمين إعادة لعب المسيحيّين دورهم في الدولة، يقول( ): «كلّ الزعماء المسلمين يرفضون السماح للمسيحيّين بإعادة لعب دورهم في السلطة والدولة. والمرحلة التي نمرُّ بها حاليًّا هي مرحلة مصيريَّة، فإذا لم يتمّ اعتماد قوانين وتعديلات وآليَّات تُعيد للمسيحيّين دورهم وتعطيهم المناصفة الحقَّة فإنَّهم سوف يذهبون إلى خيارات أخرى مصيريَّة ووجوديَّة للكيان اللبناني». واللافت أيضًا في هذا الكلام أنَّه أتى عقب محاضرة للصحافي جان عزيز( ) الذي أصبح في ما بعد المستشار الإعلاميّ للرئيس ميشال عون، عبَّر فيها عن قناعته بأنَّه ما دام المسلمون يرفضون إعادة التوازن إلى النظام السياسيّ من خلال انتخاب رئيسٍ ذات حيثيَّةٍ تمثيليَّةٍ مسيحيَّة أو القبول بإقرار قانونِ انتخاب يُعيد للمسيحيّين المناصفة الكاملة، فإنَّ المسيحيّين «سيضعون الآخرين أمام مشاريع تبدأ بالفدراليَّة ولا تنتهي بالتقسيم».

بهذا يمكننا أنْ نفهم أنَّ شيئًا ما كان يجري -وربما لا يزال- في كواليس النخب الفكريَّة والسياسيَّة المسيحيَّة يشي بأنَّهم أعادوا إلى جدول أعمالهم فكرة الفدراليَّة كمشروع نظامٍ سياسي بديل عن نظام الطائف المشلول كلّيًّا. خاصَّة وأنَّهم يجدون أنفسهم في جوٍّ إقليميّ شديد الخطورة تتفكَّك فيه الدول في العراق وسوريا وليبيا واليمن وتتعرَّض فيه الأقليَّات والأكثريَّات على أنواعها لاضطهادات مُرعبة على يد الجماعات الإسلاميَّة المتطرِّفة والتكفيريَّة.

على ضوء هذه المعطيات علينا قراءة التصريحَين الصحافيَّين للعماد ميشال عون -قبل انتخابه رئيسًا- في حزيران 2015 حيث يُعبّر بوضوح على أنَّ العلمانيَّة هي النظام الأمثل للبنان. غير أنَّ عدم استعداد اللبنانييّن لهذا الخيار، وتعنُّت التيَّارات الإسلاميَّة السياسيَّة برفض مبدأ المناصفة الفعليَّة بين المسلمين والمسيحيِّين في النظام ربما سيدفعان بالمسيحيّين إلى المطالبة باللامركزيَّة الموسَّعة وصولًا إلى الفدراليَّة( ). هذان التصريحان يجب عطفهما على ورقة إعلان النوايا بين التيَّار الوطني الحرّ وحزب القوّات اللبنانيَّة التي تنصّ في مادتها الرابعة عشر على «اعتماد اللامركزيَّة الإداريَّة والماليَّة الموسَّعة ونقل قسم كبير من صلاحيَّات الإدارة المركزيَّة ولاسيَّما الإنمائيَّة منها إلى سلطات لامركزيَّة مُنتخبة وفقًا للأصول وتأمين الإيرادات الذاتيَّة اللازمة لذلك»( ). ومن المعلوم أنَّ حزب القوّات ليس ببعيدٍ عن فكرة الفدراليَّة منذ أيَّام الرئيس بشير الجميِّل وصولًا إلى ترؤس السيّد سمير جعجع حزب القوّات اللبنانيَّة. ولم يكدّ يمرّ أسبوعان على كلام العماد عون حتى صرّح السيّد سامي الجميّل في تموز 2015 عند تسلّمه رئاسة حزب الكتائب بفشل الدولة المركزيَّة في لبنان وأنَّ الحلّ الوحيد لن يكون سوى اعتماد النظام الاتحاديّ( ) -أي الفدراليّ- شكلًا جديدًا لإدارة الدولة اللبنانيَّة. بهذا تكون الأحزاب المسيحيَّة الثلاثة الرئيسيَّة في البلاد قد خرجت صيف العام 2015 بخلاصةٍ موحّدة مفادها أنّ الفدراليَّة أو النظام الاتّحاديّ هو مطلبهم الضمنيّ.

ربما يكون رئيس تيَّار المستقبل، الرئيس سعد الحريري قد أدرك هذا التوجُّه المسيحيّ (وربما قيادة حزب الله أيضًا). وربما كان هذا أحد أهمّ الأسباب التي دفعته - إضافة إلى أسبابٍ أخرى معروفة وغير معروفة- بعد رفضٍ طويل، إلى تبنّي ترشيح العماد عون للرئاسة الأولى، والقبول بتسويةٍ ثلاثيَّة الأبعاد تجمع ما بينه وبين التيَّار الوطني الحرّ وحزب الله. إنَّ هذه التسوية التي أُعلِن عنها أواخر صيف 2016 والتي أتى بموجبها العماد عون رئيسًا للجمهوريَّة اللبنانيَّة هي التي أعطت اتّفاق الطائف الأوكسجين الكافي ليستمرّ بالحياة. أمّا ما بعد سقوط هذه التسوية والانهيار التام الحالي الحاصل، السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا سيبقى من الطائف؟ 

بالتوازي مع هذا، هناك حراك مدنيّ-شعبيّ أيضًا انطلق العام 2011 تحت شعار "إسقاط النظام"، وتوضّحت ملامحه صيف 2015، حراك كان مطلبه الأساس إسقاط النظام الطائفيّ وبناء الدولة العلمانيَّة. ولم يترافق هذا الحراك بمطالب شعبيَّة فحسب، بل بمحاولات لتشريع الزواج المدنيّ في لبنان وشطب القيد الطائفيّ عن سجلّات النفوس. ثم كان 17 تشرين الأوَّل 2019 حيث انفجر اللبنانيُّون بوجه أطراف السلطة جميعًا تحت شعار "كلّن يعني كلّن".

يبقى لافتًا، رغم كلّ هذا المخاض، ورغم كلّ هذه المسار التاريخيّ الذي فيه من الخيبات بقدر ما فيه من الآمال والتحدّيات، بقيَ لبنان الكبير صامدًا -هذا البلد الذي وصفه كثيرون بالخطأ التاريخيّ وبالكيان الاصطناعيّ- وها هو يحتفل بمئويّته الأولى. أمرٌ صادم حقًا، كيف استطاع هذا الكيان أنْ يمارس سحره على الأفرقاء الداخليّين والخارجيّين حتى يومنا هذا. لماذا يستمرّ اللبنانيَّون في العودة إلى هذا الكيان رغم كلّ خلافاتهم؟


نحو مئويَّة جديدة: أيّ نظام سياسيّ لأيّ لبنان؟

في افتتاحه السنة الاحتفاليَّة بمئويَّة لبنان الكبير خَتَمَ الرئيس ميشال عون كلمته بالتالي: «لبنان الكبير نريده لمئة سنةٍ أخرى، ولألف سنة، بلد الإشعاع، والحريَّات، وتفاعل الحضارات، والديمقراطيَّة، والابتكار، والتنوّع، وأرض الإيمان والتراث»( ).

كيف يمكن أنْ نحافظ على لبنان لمئة سنةٍ أخرى؟ وما الفكرة الأمّ التي نحتاج إليها لوضع أسُس لبنان الجديد القادر على مواجهة تحدّيات المئويَّة المقبلة؟

قد يكون واقع أنَّ لبنان يُشكّل مساحة للحريَّات وللقاء بين «العائلات الروحيَّة» المتنوّعة في المشرق والفضاء العربي هو ما يعطيه الدور الحضاريّ الذي كان علّة وجوده. السؤال الكبير الذي يُطرح هنا: هل لا يزال لبنان فعلًا صاحب دورٍ حضاريّ؟ هل لا يزال يُشكّل نموذجًا يُحتذى؟ لا بل هناك اليوم أسئلة أكثر بديهيَّة من مثل: هل هو قادر على الاستمرار مئة سنة أخرى؟ هل لا يزال يتمتّع بمقوّمات البقاء والازدهار والإشعاع ليكون له هذا الدور؟ كثيرون باتوا مُقتنعين بأنَّ لبنان كما يُقدّم نفسه اليوم ليس قادرًا على البقاء. وإنْ بقيَ فلن يكون نموذجًا للدور الحضاريّ بل للدولة الفاشلة حيث يعمّ الفساد والتخلّف والانحطاط والفقر والبؤس والاقتتال.

ربما يكون أكثر ما يحتاجه لبنان اليوم هو هذه «الفكرة الأمّ» (Idée matrice) التي تكون قادرة في آنٍ على إخراج لبنان من المستنقع القابع فيه منذ العام 1969 وعلى إنارة مسيرته نحو المئويَّة المقبلة.

عددٌ مهمّ من التيّارات اللبنانيَّة( ) ومن المُفكّرين اللبنانيّين، من مثل ناصيف نصّار، يُعبّرون عن قناعتهم بأنّ الحلّ الأجدى يتمثّل بالعلمانيَّة. الأطروحة المقابلة لها تقول إنّه يستحيل تطبيق علمانيَّة - بحسب النموذج الغربي- في مجتمعٍ شرقيّ طائفيّ. ما الحلّ إذًا؟

دفعت هذه الجدليَّة عددًا من المفكّرين لطرح السؤال التالي: أيّ علمانيَّة لأيّ لبنان؟ الغرابة في مسألة العلمانيَّة أنّها تبدو، من جهة، الجواب الأصحّ والأوضح لأزمة لبنان وحتّى أزمات كلّ مجتمعات دول الفضاء العربيّ، والمدخل إلى الحداثة والمستقبل والاستقرار والازدهار، ومن جهة ثانية، مستحيلة التطبيق لرفض المجتمع الشرقيّ-العربيّ لها لأسبابٍ دينيَّة وثقافيَّة. كان ثمة رأي هنا يقول إنَّ علينا تجاوز هذا الصراع الجدليّ باتّجاه «علمانيَّة» تكون نابعة من تراثنا ومعاناتنا وثقافتنا ومتوافقة مع البُنى المجتمعيَّة المشرقيَّة العربيَّة.

ثمة من ذهب باتجاه القول بـ«الدولة المدنيَّة». غير أنَّ هذا التعبير يُعَدّ نوعًا من المواربة لأسباب عدّة: منها أنّه مصطلحٌ غامضٌ وحمّالُ أوجه، ولا يعبّر إلّا عن حالة هرب من العلمانيَّة باتّجاه مفهومٍ يُلغي الطائفيَّة السياسيَّة ليُبقي على الأشكال الأخرى من الطائفيَّة من مثل الطائفيَّة الاجتماعيَّة والقانونيَّة والتربويَّة والثقافيَّة. هذا الأمر لن يكون إلَّا تجهيزًا لمرحلةٍ جديدة من الصراع الدامي في لبنان ما بين عائلاته أو جماعاته الطائفيَّة التاريخيَّة حول المشاركة في السلطة السياسيَّة. الأخطر من هذا الأمر هو أنَّ تعبير «المدنيَّة» إنّما هو اختراع الإسلام السياسيّ -لاسيّما الممثَّل بتيَّار الإخوان المسلمين- وهو تعبير حقّ يُراد به تكريس إسلاميَّة الدولة. بعض المفكّرين كان أكثر جذريَّة في طرحه، من مثل مشير باسيل عون الذي دعا جهارًا في كتابه أهؤلاء هم اللبنانيّون؟( ) إلى علمانيَّة، لا تكون قاهرة بل «هنيَّة». 

في كتابي الذي أصدرته في العام 2017 عن دار سائر المشرق والذي عَنْوَنتُه علمانيَّة من عندنا( ) حاولتُ أنْ أظهرَ للقارئ اللبنانيّ والمشرقيّ والعربيّ كيف أنَّ مفكّرين لبنانيّين نجحوا من على منبر «الندوة اللبنانيَّة» (1946-1984) في بَلْوَرَة نموذجٍ علمانيّ سمّيتُه «من عندنا» تُحاكي البُنى المجتمعيَّة والفكريَّة في لبنان والمشرق. وهو نموذج يقوم على «التمييز» لا «القطع» بين الدينيّ والسياسيّ، أو بين الدين والدولة. 

قبل هاتَيْن المحاولتَيْن، كان البابا بنيدكتوس السادس عشر في ورقةٍ تحضيريَّة للسينودس الخاصّ بكنائس الشرق الأوسط (2012) صادرة في حزيران 2010، قد دعا المسيحيّين الكاثوليك في الشرق الأوسط إلى «التعاون مع المسيحيّين الآخرين والمفكّرين والمُصْلِحِين المسلمين لتعميق مفهوم العلمانيَّة الإيجابيَّة في الدولة» (الفقرة 25) رابطًا إياها بـ"حرية الضمير" أي أنْ يكون «الفرد حرًّا في أنْ يؤمن أو لا يؤمن» وأنْ يكون حرًّا في تغيير ديانته.

هناك إذًا مسار فكريّ يُقدّم مشروع «فكرة أُمّ» تقوم على «علمانيَّة إيجابيَّة، رحبة، هنيَّة، من عندنا». لكن يبقى هناك أمرٌ ناقصٌ في هذا المسار يعكسه السؤال التالي: كيف نوائم بين حقوق الجماعات (التي هي في لبنان وفي المشرق جماعات تاريخيَّة ثقافيَّة طائفيَّة) وحقوق الأفراد؟ 


علمانية شخصانية

تقوم العلمانيَّة نظريًّا على محوريَّة المواطن-الفرد دون الاعتراف بالجماعات. لكنّ الجماعات في شرقنا واقعٌ تاريخيٌّ ثقافيٌّ طائفيٌّ يعود إلى مئات بل آلاف السنين. هل يُمكننا إلغاء هذا الواقع بشحطة قلم؟ بالطبع لا. إذًا علينا التفكير بعلمانيَّة لا تنفي البُعد الجماعي (من جماعة) من تكوينها. هنا يأتي مفهوم «الشخص».

ما هو مفهوم الشخص؟ إنّه مفهوم طوَّرته الفلسفة الشخصانيَّة (Le personnalisme) في فرنسا أوائل القرن العشرين مع المفكّر الفرنسيّ إيمانويل مونييه (1905-1950) ( ). بحسب هذا الأخير يتكوُّن «الشخص» من عمليَّة مواءمةٍ ما بين أبعادٍ ثلاثة: البُعد الفرديّ والبُعد الجماعيّ والبُعد الروحيّ. فإذا كانت العلمانيَّة التي نريد في لبنان وفي المشرق قائمة على محوريَّة الشخص، فإنّه يجب أنْ تأخذَ في الاعتبار هذَين البُعدَين في تدابيرها على ألّا تَتَخلَّى في الوقت عينه عن أهمّ مُشتَرَكَيْن تَتَشَارَكهما كلُّ الأشكال العلمانيَّة العالميَّة وهما: احترام حريَّة الضمير لكلّ مواطنٍ بما تعنيه هذه الحريَّة من حريَّة الإيمان والاعتقاد والعبادة وتغيير الدين والتبشير وممارسة الدين فرديًّا أم جماعيًّا؛ والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين.

لماذا «العلمانيَّة الشخصانيَّة»؟ لأنّها برأيي ربما تمثّل حلًّا لأزمتنا العميقة لا في لبنان فحسب بل في جميع مجتمعات الفضاء العربيّ. فبهذه العلمانيَّة نكون قد أعدنا الاعتبار إلى الفرد كقيمةٍ بحدّ ذاته، ونكون في الوقت عينه قد حافظنا على الحقوق الأساسيَّة للجماعات. إنَّها الأرضيَّة التي تسمح بالحفاظ على التنوّع الدينيّ والطائفيّ في لبنان والمشرق، فلا تكون قاهرة لها، وفي الوقت عينه، تُحرّر الفرد-الشخص -الذي هو المواطن- من طغيان هذه الجماعة، فتكون له الحريَّة بأنْ يؤمن بما يشاء ويعيش كيفما يشاء وأينما يشاء ووفق نمط العيش الذي يختاره.

من ناحيةٍ أخرى، تُمثّل هذه العلمانيَّة الشخصانيَّة أرضيَّةً مشتركة للتعاون بين مفكّرين ومتنوّرين مسيحيّين ومسلمين ومُلحدين ولاأدريّين لكي يُبَلْوروا نموذجًا جديدًا للعيش قد تستفيد منه كلّ مجتمعات الفضاء العربيّ.

من يُمكنه أنْ يلعب هذا الدور في أخْذ الإسلام نحو الحداثة والإصلاح أكثر من مسلمي لبنان المتنوّرين بالتعاون مع مسيحيّيه ولِمَ لا مع ملحديه ولاأدريّيه؟ أليس لبنان هو المساحة الأفضل والأسلم لإطلاق ورشة إصلاحٍ دينيّ مسيحيّ-إسلاميّ؟ أليست العلمانيَّة الشخصانيَّة الرحبة الهنيَّة -ضمن هذا الإطار وهذا المشروع- هي الأرضيَّة الأفضل التي تؤدّي إلى استقرار العلاقات بين الجماعات ما يلغي التوتّر الدائم القائم بينها ويدفعها إلى الحوار العميق؟

«إنَّ عُمْق أزمتنا في لبنان وفي كلّ مجتمعات الفضاء العربيّ أنَّنا نعيش في حالة من «اللاتاريخيَّة»( ). لا أزال أذكر مقولة المفكّر الإسلامي الراحل جمال البنّا عندما قابلتُه في مكتبه في القاهرة في نوّار من العام 2010 حين قال لي بما معناه: نحن الشرقيّون والمسلمون نعيش في منظومةٍ فكريَّة تعود إلى القرن العاشر ميلادي. ولا أمل لنا إلَّا بتطوير هذه المنظومة الفكريَّة القرنوسطويَّة التي تميل إلى النقل والغيبيَّات والمطلقات أكثر مما تميل إلى العقلانيَّة والتاريخيَّة. هنا بالذات تأتي العلمانيَّة الشخصانيَّة لتنقلنا إلى مرحلة تُمَكّننا من تطوير منظومتنا الفكريَّة.

هذه، لعُمري، هي صرخةٌ موجَّهة إلى كلّ من يعنيه الإنسان في هذه المنطقة من العالم. العلمانيَّة الشخصانيَّة قد تكون التدبير الأسلم من أجل التلاقي الإنسانيّ في لبنان وفي مجتمعات الفضاء العربيّ. فيها سيتشجّع المسيحيُّون على العودة إلى الانخراط في قضايا مجتمعاتهم الشرقيّة وشؤونها فاعلين ومؤثّرين فيها لا مهمَّشين، وإلى الثبات في هذه الأرض لا أنْ ينتظروا تهجيرهم على يد موجةٍ جديدة من اللااستقرار والفقر والبؤس والحروب والحركات المتطرفّة دينيًّا. هذه العلمانيَّة هي التي ستطمئنهم إلى حاضرهم ومستقبلهم المشترك مع المسلم والملحد واللاأدري. هي التي ستدفعهم إلى استعادة الدور الذي لعبوه في تاريخ هذه المنطقة وخاصَّة إبَّان مرحلة النهضة العربيَّة ولمخاطبة الشريك الآخر المسلم بلغة العيش المشترك معه على قاعدة الحداثة والحريَّة والتعدديَّة والديمقراطيَّة والمواطَنة والاعتراف المتبادل، مُدركين أنَّ لا أمل لهم ولا معنى لوجودهم هنا إلَّا من خلال العيش الكريم مع المسلم؛ عيشًا يكون كريمًا لهم وللمسلم. لكنّ هذا العيش لن يكون عزيزًا إلَّا على قاعدة منظومةٍ فكريَّة حديثة. هذا بالذات ما سيسعون إلى بنائه مع المسلم من خلال حوارٍ خلَّاق، عميق، بنّاء، محترم، محبّ، تُطرَح فيه الإشكاليَّات الموجودة كما هي من دون مجاملات ولا تكاذب؛ حوار يخرج بتصوُّرات مُشتركة يُبنى على أساسها الإنسان اللبنانيّ والمشرقيّ. تصوُّرات تكون أساس المنظومة الفكريَّة الجديدة والحديثة. منظومة إنسانيَّة عقلانيَّة لا طابع دينيًّا لها. منظومة تُخرجنا من جدليَّة دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب ودار السلم. منظومة تأخذ أفضل ما في القيم المسيحيَّة والقيم الإسلاميَّة وتُهمل ما لا يفيد اليوم حتّى ولو كان موروثًا من السلف. منظومةٌ تُحرّر إنسان منطقتنا الحالي من ثقل تراثٍ «مُقدَّس» بات يأخذنا إلى الوراء أكثر ممَّا يدفعنا إلى الأمام. منظومةٌ تُحرّر الإنسان من كلّ شريعةٍ سلفيَّة، وتفصل الدين عن أوجه الحياة العامَّة جاعلة منه خيارًا شخصيًّا حُرًّا، وتفصله أيضًا عن التشريع الذي يجب أنْ يكون وضعيًّا مدنيًّا عقلانيًّا إنسانيًّا يُلائم حاجات إنسان اليوم وكرامته وقيمته بغضّ النظر عن جنسه وجندره ودينه ولغته ولونه وأصله وثقافته ونمط عيشه. منظومةٌ تبني «وطنيَّة لبنانيَّة إنسانيَّة» يكون فيها الانتماء الأوَّل للبنان الوطن والنموذج والرسالة الإنسانيَّة، على أنْ تكون انتماءات اللبنانييّن الأخرى ثانويَّة لا تعلو على الانتماء للبنان. فالمسلم في لبنان -سنيًّا كان أم شيعيًّا- مدعوّ إلى حسم الصراع الذي يعتريه في ما خصّ انتمائه، بحيث يخرج من دوامة الضياع التي تمزّقه ما بين انتماءٍ وطنيّ (لبنان)، وانتماءٍ قوميّ (العروبة)، وانتماءٍ دينيّ (الأمَّة الإسلاميَّة -أكانت بنموذجها السُنّي، أو بنموذجها الشيعيّ). هو مدعوّ ليفصل بين انتمائه السياسيّ للبنان وانتمائه إلى الأمَّة الإسلاميّة التي يرى أحيانًا تعويضًا عنها في عروبةٍ وهميَّة. فالانتماء الأوّل هو انتماء سياسيّ ووطنيّ قائم على العقد الاجتماعيّ مع الشريك الآخر، أمَّا الانتماء الثاني فهو دينيّ، وجدانيّ، روحيّ لا بُعدَ سياسيًّا له. من هنا ضرورة تحرّره من هذا المخيال الديني، الذي بناه الإيديولوجيّون الإسلاميّون والذي يشكّل له عائقًا لبناء وطنٍ تعدّديّ لا صبغة دينيَّة أو طائفيَّة له. وإنّي لمقتنع أنَّ هذا الأمر مرتبط بإرادة المسلمين وخيارهم. فالتحرّر من الإرث الثقيل رهن بقرارٍ يتّخذه الإنسان: إمَّا أنْ يبقى أسيرًا للتراث السلفيّ الأسطوريّ اللاتاريخيّ، وإمَّا أنْ يُقرّر التحرُّر ممّا هو غير مفيد في هذا التراث، فيعتمد العقلانيَّة نهجًا ويكون بالتالي قادرًا على تحقيق ذاته اليوم وفي المستقبل، وعلى صناعة الإنسان الجديد. وإنَّي لمقتنع -على غرار ما قاله في العام 1965 من على منبر الندوة اللبنانيَّة الأب يواكيم مبارك (1924-1995)( )- بأنَّ الكثير من المسلمين باتوا جاهزين للخطو باتجاه الانعتاق من أسر الإسلام السياسيّ ومن شعار أنَّ الإٍسلام دين ودولة. دليل ذلك أنَّ عددًا مهمًّا من المفكّرين اللبنانيّين المسلمين قد نادوا بالعلمانيَّة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، من مثل حسن صعب، ومهدي عامل وعادل ضاهر وغيرهم.

أمَّا العروبة، فهي لا تقوم إلَّا على الرابطة الحضاريَّة واللغويَّة. أمَّا بُعدها السياسيّ، فإنْ كان يُؤمل تحقّقه، فلن يكون إلَّا بعد مرحلة نجاح النموذج الوطنيّ وتطوّر مستوى المواطن-الفرد-الشخص. فاتّحادٌ عربيّ بهذه الضخامة لا يمكن أنْ يتحقّق في عالم اليوم إلَّا على أساس العلم والحداثة والعولمة وحقوق الإنسان، كلّ إنسان، وفصل الدين والفقه عن الدولة، والحريّات -لاسيَّما حريَّة الضمير منها- والديمقراطيَّة وتداول السلطة، والمواطَنة، والاقتصاد الحرّ الضامن في آن للرفاهيَّة وللعدالة الاجتماعيَّة وللمساواة الكاملة.

المسيحيّ بدوره مدعوّ أيضًا إلى الخروج من فكرة أنَّه «أقليَّة» في هذا المشرق والاتّجاه إلى رحاب المواطنيَّة. هذه الفكرة الأقلويَّة التي تدفعه عادة إمَّا إلى التمسّك بالحالة الراهنة في وطنه وعدم المخاطرة بالذهاب نحو آفاق جديدة بالشراكة مع المسلم، وإمَّا إلى السعي الحثيث والمدروس للهجرة إلى بلدانٍ حيث تحقّق فيها الاستقرار والحداثة وبحبوحة العيش. ولا ضير هنا من ذكر النصّ السياسيّ للكنيسة المارونيَّة الوارد في المجمع البطريركيّ المارونيّ، الصادرة أعماله في العام 2006، والذي يُعَدّ أوَّل وثيقة تاريخيَّة لإحدى طوائف الشرق ولبنان تطالب علنًا وصراحة بدولةٍ يُعتمد فيها مبدأ «التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلًا من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينيَّة لها صفة المطلق»( ). إنَّها إقرارٌ بضرورة تخطِّي الطائفيَّة وعودةٌ إلى فكرة «التمييز» التي تفصل الممارسة السياسيَّة عن الدين ومطْلَقاته. هذا التمييز قادر على التوفيق بين كون اللبنانيّين مواطنين لبنانيّين مدنيّين علمانيّين، وكونهم ينتمون أيضًا إلى عائلات روحيَّة متنوّعة.

المسيحيّ مدعوّ أيضًا ليلعب دوره ابنًا أصيلًا لهذه الأرض -وهو الابن الأصيل لها- فيخاطب الآخر وفق إرادة العيش معًا على قاعدة الأخوّة والمساواة. ليس مسموحًا في عصرنا هذا أنْ يكون الإنسان المسلم بنظر الإنسان المسيحيّ هذا «الغريب». إنَّ دعوة «الحبّ» عند المسيحيّ ليست ترفًا. من هنا، واجبه يقضي ببناء علاقةٍ مع المسلم على أساس هذا «الحبّ». فالمسيحيّ كالمسلم، كالملحد، وكاللاأدريّ هم كلّهم أبناء هذه الأرض الرحبة يتشاركون معًا الأزمات والمآسي نفسها. كلّهم يعانون على السواء، يهاجرون على السواء،يُقتَلون على السواء. لكنّهم من ناحية ثانية، كلّهم يحلمون بالعيش الكريم على السواء. وإنّني على يقين أنّهم كلّهم يحلمون ببناء وطن يليق بالإنسان الحرّ.  


أمين الياس دكتور في التاريخ من جامعة لومان الفرنسية. هو متخصّص في تاريخ الأفكار في الفضائين العربي والمتوسطي، وأستاذ التاريخ والفلسفة في كلّية التربيّة في الجامعة اللبنانيّة، وأستاذ المواطَنية في الجامعة الأنطونيّة، وله العديد من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية.