أعمال محمد صبري تستوحي الحكايات الشعبية والأقنعة الأفريقية

ياسر سلطان - اندبندنت عربية

معرض "لقاء" يجمع جماليات الكائن البشري والمخلوقات الأخرى في تجليات هندسية


في أعمال الفنان المصري محمد صبري يمكن أن تلمح العديد من التأثيرات الثقافية والبصرية، كاستلهامه لمكونات البيئة الريفية مثلاً، ومشاهداته للرسوم المصرية القديمة في أسلوب البناء الأفقي للعناصر وتوزيعها على المساحات المرسومة. أضف إلى ذلك هذا الحضور اللافت لأسلوب البناء النحتي وطريقة صوغه للخطوط والأشكال ما يحيلنا مباشرة إلى جماليات الأقنعة الأفريقية. 

تتزاحم على سطح اللوحة الواحدة العديد من الإشارات والعلامات والرموز ذات المرجعية التراثية والدينية، وثمة استدعاء صريح ومُتكرر للأساطير والحكايات الشعبية والمرويات الدينية. يجمع بين كل ذلك أسلوب البناء البصري المعتمد على الخط، فالغلبة هنا لتقنيات الرسم وحرفيته.


الخطوط تتداعى وتتداخل مع بعضها البعض وتراوح ما بين الثبات والحركة، وتنتقل بسهولة من الخط الهندسي الصارم والحاد إلى العضوي المُنساب بليونة على السطح. أما المعالجات اللونية فتتنوع هي الأخرى بين الدرجات الأحادية واللون الصريح.

يستضيف غاليري زاج بيك في القاهرة جانباً من هذه التجربة المتميزة والغنية للفنان محمد صبري تحت عنوان "لقاء" يجمع المعرض المستمر حتى الرابع من فبراير (شباط) بين الأعمال التصويرية والنحتية التي أنجزها الفنان خلال الفترة الأخيرة.


في هذا المعرض تتشارك أطراف ثلاثة في تشكيل البنية البصرية للأعمال المعروضة، يتمثل أولها في هذا الحضور البشري الكثيف داخل المشهد التصويري على نحو خاص، سواء كان حضوراً منفرداً أو في تشكيلات تجمع بين أكثر من عنصر، وهو الغالب بين الأعمال. 

الحضور البشري هنا يتمتع بالتناغم، وذو بنية صرحية أو استعراضية أحياناً، كما يبدو من طريقة توزيعه للعناصر على سطح العمل. ويبرز هنا سعي الفنان لابتداع أساليب مبتكرة في تأكيد الحركة عبر تقاطع الخطوط ومسارات الأشكال مع بعضها البعض. المعالجة الخطية للجسد البشري في هذه الأعمال تراوح بين أسلوبين، أحدهما ذو طبيعة حادة وهندسية، تنطوي على شىء من الاختزال أو التحريف، والأخرى لينة أقرب إلى المعالجة المدرسية للجسم البشري من ناحية الالتزام بالنسب والحفاظ على التكوين.


فراغ اللوحة

يلي الحضور البشري حضور لافت للعنصر الحيواني أو للكائنات غير البشرية، كالأسماك والطيور والحيوانات المُحاطة أحياناً بزخارف وتوريقات نباتية. هذه العناصر غير البشرية تتشكل عبر صيغ يصعب تصنيفها أحياناً، أو وضعها تحت مسمى محدد، فهي كائنات هجينة في الغالب. 

تُراوح هذه الكائنات بين الشكل الصريح للعنصر كما هو في الواقع والتحريف المتعمد لبنيته، فالعنصر الواحد قد يجمع بين أكثر من نوع أو فصيل، ما يجعلها أقرب إلى الكائنات الأسطورية أو المُتخيلة. هذه الكائنات تتشارك فضاء العمل مع العنصر البشري في تشكيلات وعلاقات بصرية يغلب عليها الألفة والحميمية.

ثالث هذه الأطراف التي تشكل بنية العمل الفني في هذه الأعمال المعروضة يتمثل في الفراغ المحيط بهذه الأشكال والعناصر، هذا الفراغ الذي يشكل الإطار العام لفضاء اللوحة.


الفراغ هنا يُراوح كذلك بين معالجتين، تميل الأولى إلى التشظي والاعتماد على التشكيلات الهندسية أو العضوية للخطوط والعلامات المرسومة والذائبة في اللون، بينما يلجأ الفنان في الأخرى إلى الثبات من طريق اختياره للون أو اثنين سائدين في الخلفية.

أما المعالجات النحتية المعروضة فتتوزع بين التعامل مع الأحجار الصلبة وخامة البرونز، وهما وسيطان مختلفان تماماً في طريقة صوغهما. ففي حين يتم التعامل مع الأحجار الصلبة بالنحت المباشر، يقف البرونز كخامة وسيطة يُستنسخ من طريقها الشكل المصنوع من خامة أخرى طيعة تسمح بالحذف والإضافة. 

هو مشهد زاخر بالتفاصيل والعلاقات البصرية وعامر بالمعالجات المتباينة للأشكال والعناصر والمساحات اللونية. كل هذه المكونات من شأنها أن تضفي ثراءً على هذه التجربة، حتى وإن شابها رغبة كامنة في الاستعراض، وهي رغبة يمكن تجاوزها على كل حال.

الفنان محمد صبري من مواليد عام 1983، تخرج في كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية حيث يقيم ويعمل حالياً كأستاذ في مادة النحت، وقد شارك بأعماله منذ تخرجه في عدد من المعارض الجماعية، ويعد معرضه الحالي هو الخامس في جملة عروضه الفردية.