تعرف على "العنف البطيء" الذي يؤثر على الملايين

بي بي سي عربية

ليس من الضروري أن يكون العنف مباشرًا، فهناك نوع من العنف غير المباشر الذي قد يكون مستترا، رغم أن آثاره تظهر بوضوح على المجتمعات. وهذا العنف يمارس ببطء إلى حد يعجز المرء عن ملاحظته وتمييزه.


يتخذ العنف أشكالا متعددة، أكثرها وضوحا، إطلاق عيار ناري في جسد أحد الضحايا، أو الجثو على رقبته أو اقتحام مبنى الكابيتول (الكونغرس). ويصنف القانون العنف بحسب دوافع ارتكابه، فهناك عنف جنائي وعنف أسري وعنف جنسي أو عنف ناجم عن الإفراط في شرب الخمر.

وتمارس أعمال العنف في ميادين المعارك بعلم الحكومات وموافقتها. وبينما يرى البعض أن العنف قد يكون ضروريا أو نسبيا، يقول آخرون إن العنف لا جدوى منه أحيانا ووحشي في معظم الحالات ولا مبرر له قط.

لكن ثمة نوعا آخر من العنف قد لا يمت بصلة لذلك العنف البدني المحسوس الذي تتناقل أخباره الصحف أو يوصف في قاعات المحاكم، ويطلق عليه اسم "العنف البطيء"، الذي يعرف بأنه الإيذاء أو الضرر الذي يظهر تأثيره على مدى سنوات أو عقود، وقد يظل الجناة مجهولين، لكن ضحاياه لا يخفون على أحد.


لكن كيف يمارس العنف البطيء ومن هم ضحاياه؟

تعود جذور مفهوم العنف البطيء إلى الستينيات من القرن الماضي، إذ كتب عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ، الذي عرف باسم "أبي الدراسات السلمية" في عام 1969 أن العنف قد يمارس بوسائل تفوق الأسلحة واللكمات. ورأى أن العنف قد يكون أيضا "بنيويا".

وعرّف غالتونغ العنف البنيوي بأنه الإيذاء أو الضرر الذي يمارسه المجتمع، بشكل خفي في الغالب، ضد المواطنين أو ممتلكاتهم، عبر غياب العدالة الاجتماعية أو التفاوت في إتاحة الرعاية الصحية، أو التمييز على أساس العرق أو الجنس أو غيرها من أشكال التحيز واللامساواة الممنهجة. وقد يتوفى ضحايا العنف البنيوي قبل الأوان، ويعانون من مشاكل بدنية ونفسية. لكن رغم وضوح آثار العنف البنيوي إلا أنه من الصعب تحميل أحد المسؤولية عنه.

وكتب غالتونغ: "إن العنف الشخصي جلي للعيان، فهو يمثل التغيير والحركة والطاقة، ولا يتخذ شكل تموجات طفيفة، بل موجات عالية في المياه الساكنة. أما العنف البنيوي فهو صامت ومستتر، فهو ساكن أو بعبارة أخرى، هو المياه الراكدة. وبينما تتعرف المجتمعات الساكنة على العنف الشخصي وتسجله، فإنها قد تألف العنف البنيوي حتى يغدو كالهواء الذي تتنفسه".


وقد يظل هذا العنف خفيا لأسباب عديدة، أهمها الوتيرة التي يُمارس بها. وقد صاغ روب نيكسون، الباحث الأدبي والمناصر للبيئة من جامعة برينستون، مصطلح "العنف البطيء" منذ عقد مضى. وكان يصف نوعا من العنف البنيوي، لكنه أشار إلى أن هذا العنف قد يمارس على مدى سنوات عديدة، وربما تتعرض له أجيال متعاقبة.

وكتب نيكسون: "هذا العنف الذي يُمارس تدريجيا وبعيدا عن الأنظار، له قوة تدميرية مؤجلة، ومشتتة على نطاق زماني ومكاني واسع. وهذا العنف المُنهِك للضحايا قد لا يدرك أحد عادة أنه نوع من العنف".

ويرى نيكسون أن العنف البطيء قد يكون كامنا في صميم الكوارث البيئة الناتجة عن التلوث أو تغير المناخ أو تساقط الغبار الذري على المدى الطويل. لكنه يتضمن أيضا أشكال الإيذاء التي يتعرض لها الأفراد والمجتمعات بوتيرة بطيئة ويعجزوا معها عن تحديد الطرف الذين ينحون عليه باللائمة.

وقد يعزى ذلك إلى ضلوع أطراف عديدة في ارتكاب العنف البطيء وكثيرا ما تكون هذه الأطراف خارج نطاق العدالة. وقد يلقي البعض باللوم على قطاع بأكمله بسبب مجمل أنشطته الملوثة لنظام بيئي، في حين قد يلوم البعض سياسة حكومية وُضعت في عاصمة بعيدة قبل سنوات. لكن في نهاية الأمر لا يمكن دائما تحديد مرتكب العنف البطيء.

ويقول ثوم ديفيز، العالم الجغرافي من جامعة نوتنغهام بالمملكة المتحدة: "إن العنف البطيء قد يدفعنا لوضع تعريف أكثر شمولا للإيذاء. فهناك أشكال من العنف انفصلت مع الوقت عن دوافعها الأصلية".


ويجري ديفيز دراسات عما يطلق عليه اسم "المناطق الجغرافية السامة"، حيث يبدو هذا الإيذاء جليا للعيان، كما هو الحال في مخيمات اللاجئين أو البلدات التي تعد جزءا من مكبات النفايات أو المنطقة المحيطة بمحطة تشيرنوبل للطاقة النووية. وفي عام 2019، ركز على دراسة منطقة بمحاذاة نهر المسيسيبي في لويزيانا يطلق عليها اسم "منطقة السرطان"، وتعد واحدة من أكثر المناطق تلوثا في الولايات المتحدة. واكتشف ديفيز بُعدا جديدا للعنف البطيء يصلح لوصف ما لاحظه هناك.

ويقول ديفيز: "عندما تقود سيارتك على الطرق السريعة الممتدة فوق المستنقعات وجداول الأنهار بجنوب لويزيانا، قد تلاحظ تجمعا صناعيا يضم محطات التكسير والإصلاح الحفزي ومحطات خفض اللزوجة وأبراج التقطير". وكتب ديفيز في إحدى المقالات عن دراساته في المنطقة: "يضم المجرى الأدنى لنهر المسيسيبي أكبر تجمع للمنشآت الكيميائية في النصف الغربي من الكرة الأرضية".

وأجرى ديفيز حوارات مع سكان منطقة فريتاون الريفية، حول تجربة العيش بالقرب من هذه المنطقة الصناعية. ويقول إن إحدى الساكنات تدعى ديزي (ليس اسمها الحقيقي) لاحظت تغيرات على المجتمع على مدى سنوات. ويقول: "لاحظت ديزي تأثير التراكم البطيء للتلوث على مدى سبعة عقود في منطقتها، والذي تجلى في انتشار روائح الكيماويات، وتقارير غير رسمية عن ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بين سكان المنطقة، وسرعة ذبول النباتات في حديقتها بمجرد إزهارها. وذكرت أن الهواء في بعض الأوقات يكون ملوثا بالغازات إلى حد يصيبك بالاختناق".


ويغلب على سكان منطقة فريتاون الريفية السود أصحاب الدخل المنخفض، وكانت المنطقة جزءا من مزارع قصب السكر التي أقامها العبيد قديما. واشترت عائلة ديزي أرضها في مطلع القرن التاسع عشر. وتقول ديزي: "كانت المنطقة رائعة قبل أن يضعوا صهاريجهم ومعداتهم".

وثمة أشكال أخرى من العنف البطيء تؤثر على مجتمع آخر في لويزيانا. ففي جزيرة آيل دي جين تشارلز الصغيرة، يعاني السكان من تفاقم تداعيات تغير المناخ عاما بعد عام. ويقول ديفيز: "تقام السدود والحواجز في نهر المسيسيبي، وقد لاحظ السكان أن كميات المياه التي تصل إلى منازلهم آخذة في الازدياد. ومع أن أحدا لن يغرق بسبب هذه المياه، إلا أن منسوبها يرتفع ببطء وهذا يسبب للسكان ضررا نفسيا شديدا". ويرى ديفيز أن العنف البطيء قد يكون نفسيا أو بدنيا.

ويتميز العنف البطيء بأنه متجذر في اللامساواة والتمييز. وكتب غالتونغ في الستينيات من القرن الماضي، أن هذا العنف يمثل تقييدا للطاقات، بتقليص فرص الضحايا في عيش حياة أفضل. وهذا العنف يمارس ضد بعض المجتمعات، وليس كلها. فأصحاب المال والنفوذ قد لا يتعرضون له.


وقد تترتب على العنف البطيء تداعيات واسعة النطاق. إذ أثبتت دراسات أن الضغوط التي تتعرض لها بعض المجتمعات بسبب التمييز العرقي واللامساواة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ويقول ديفيز إن معدلات الإصابة بفيروس كورونا بين سكان مدينة باتون روج ذوي الدخل المنخفض كانت أعلى مقارنة بغيرهم ذوي الدخل المرتفع.

ربما يكون العنف البطيء خفيا لأن آثاره تظهر ببطء شديد لا يلفت انتباه الصحف ولا يثير الغضب. ويصفه نيكسون بأنه "لا يثير الضجة" ولا يلفت الأنظار. لكن آثاره ليست خفية تماما.

ويقول نيكسون: "إذا تحدثت إلى الناس في المجتمعات التي تعاني من آثار العنف البطيء، ستجد أنهم يلاحظون التغيرات التدريجية التي تطرأ على بيئتهم والنظم البيئية". ومع أن آثار العنف البطيء قد تظهر على مدى عقود أو أجيال، فإن الأشخاص الذين تعرضوا لأشكال هذا العنف قد يصفونها بدقة. ولهذا، بينما لا يكون مرتكب العنف البطيء معروفًا، وقد يمارس ببطء شديد يصعب معه تسجيله أو معاقبة المسؤول عنه أو مقاضاته، إلا أن المعرضين له يعانون من آثاره.