الشيخ د. محمد النقري يكتب من لبنان: عذرًا يا أمّ البشارة

القاضي د. محمد النقري

  • عذراً أيتها البتول مريم، أيتها العذراء، إن لم أتحدث عن سيرتك العطرة في مناسبة البشارة فالخطب جلل.
  • عذراً أيتها الأم الجامعة الشفوقة الرحيمة الرّاعية الساهرة يا مريم المحبة والاصطفاء فالوضع لا يحتمل.
  • عذراً أم المسيح وأمنا جميعا يا من أحببتك ويامن أحبك المسلمون والمسيحيون كافة فالأمر عاجلٌ لا يؤجل.

بالأمس كانت بشارتك تهتف بالمحبة وتتعانق فيها تكبيرات الأذان مع صوت أجراس الكنائس، وتتناغم الترانيم المريمية الكنسية مع الموشحات الدينية الإسلامية، ويتآخى المسلمون مع المسيحيين في أبهى صورة عرفها التاريخ، واليوم تطل بشارتك علينا وبلادنا تئنّ تحت وطأة فساد إداري ومالي شامل ومستشرس، وتهديدات أمنية واغتيالات وتفجيرات قتلت المئات وهدمت المباني والأحياء والموانئ البحرية، فأصبحنا نعيش في خضم صراعات فتنوية مقيتة، أفقدت بلادنا كرامتها وصيغتها الوطنية وأتلفت ضمائر مسؤوليها السياسيين، بل وفقد فيها مواطنوها أموالهم وأرزاقهم ومدخراتهم وصحتهم وسمعتهم وعزّتهم وكبريائهم، فتوشحوا بلباس الفقر والعوز، والذل والهوان، وبات شبابنا يطرقون أبواب السفارات طلباً للهجرة، وأصبح أمل اللبنانيين تذكرة سفر بلا عودة، ومسكناً ولو مرقداً لعنزة في بلاد الغربة.

أراك أيها العذراء حزينة، فبعد مرور خمسة عشر سنة على احتفالياتنا المشتركة الإسلامية المسيحية في عيد بشارتك، وبعد مرور إثنتي عشر سنة على إعلانه عيداً وطنياً أراك تتسائلين هل كنا حقاً على قدر هذه المناسبة، وهل كنا صادقين متواضعين مع أنفسنا ومع شركائنا في الوطن، أم أدخلنا هذه المناسبة في زواريب الطائفية الضيقة وعبرنا بها ضمن الألاعيب السياسية البغيضة... هل قمنا حقاً بتحقيق كل ما وعدنا به من مشاريع واعدة، من:

إطلاق اسم بشارة مريم على احدى ساحات بيروت حيث حددنا ساحة المتحف ليحمل اسمها ووضعنا في زاويتها حجراً منقوشاً يحمل رمزية بشارة مريم كما اعتمدها اللقاء الإسلامي المسيحي حول مريم، ونظمنا تجمعاً رسمياً، بعد أن حصلنا على موافقة مبدئية من بلدية بيروت، وفجأة استبدل الاسم وباتت الساحة تحمل اسم البابا بندكتوس السادس عشر.

تنفيذ طابع بريدي مريمي يحمل شعار البشارة، حظى بموافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في أكثر من مناسبة ولكنه لم ينفذ، تشييد مركز مريمي للحوار على أرض تقدمها الدولة يضم قاعة محاضرات واجتماعات وارشيف ومكتبة تخصصية في مواضيع الحوار ويجمع كل ما يكتب عن العذراء مريم في العالم، وهو أيضاً لم ينفذ،. 

إعلان يوم البشارة مناسبة ليصبح يوماً عالمياً للحوار، فتم استبداله بفكرة مماثلة حيث وافقت الأمم المتحدة على أن يكون لبنان مركزا لأكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار، ولكن لسوء ما اقترفت أيدينا من سياسات فتنوية وكيدية قمنا بتحويل لبنان الى مستنقع للإختلافات والنزاعات وموطناً لأحقر وأقذر ما يتوصل اليه الإنسان من انحطاط خلقي وفساد مالي في التاريخ البشري.

في بشارة هذا اليوم نعلنها صرخة مدوية لمن بقي في قلبه وفكره ذرة إيمان وعقل وضمير وشفقة ورحمة من بين الذين أعمتهم المناصب وكراسي الحكم، وغشت أبصارهم السرقات والسمسرات والإستيلاء على خزائن الدولة والأموال العامة وأموال المودعين.

أستصرخكم أيها المسؤولون : الا يوجد بينكم رشيدٌ حكيمٌ ذو ضمير، ومصلحٌ ذو هيبة وسلطة وحسن تدبير، ألا يوجد فيكم رئيس يقول لمواطنيه : لا ترحلوا فالأرض أرضكم والجبال جبالكم وسماء الرب تحتضنكم، وأرض الأنبياء تحرسكم، ومريم العذراء تجمعكم.

عذرًا يا مريم يا أم المسيح إن لم أتحدث عنك في هذه الأمسية، فلقد أضنانا ونغص عيشنا أن نشعر بالقلق والإضطهاد والشك والرغبة في الهجرة بعيداً عنأرزنا وشموخ جبالنا وعنفوان سهلنا وبقاعنا، وعزة وكرامة مدننا، بل بعيداً عن سماع أصوات صلواتنا تصدح من مآذننا وكنائسنا.

ولكننا لن نفقد الأمل والرجاء وسنهتف في كل بشارة كل عام وأنتم مسلمو ومسيحيو لبنان وكل العالم بألف خير.