النبي إبراهيم ورحلة البابا فرنسيس إلى العراق

المونسنيور خالد عكشة

فيما يلي مداخلة المونسنيور خالد عكشة، أمين سرّ لجنة العلاقات الدينية مع المسلمين، في المجلس البابويّ للحوار بين الأديان في حاضرة الفاتيكان، خلال ندوة افتراضيّة بعنوان "البابا فرنسيس في العراق. جذور إبراهيم وخطاه"، نظمها المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، في العاصمة الإماراتيّة أبو ظبي، 7 آذار 2021.



معالي الدكتور راشد النُّعيمي، رئيس المجلس العالميّ للمجتمعات المسلمة، الأخوات والإخوة الأعزّاء،

من روما، التي غادرها قداسة البابا فرنسيس يوم الجمعة المنصرم حاجًّا إلى العراق، موطن إبراهيم أبينا جميعًا في الإيمان، أبعث إليكم بتحياتي الأخويّة.

نعتبر إبراهيم، مسيحيين ومسلمين، إضافة إلى إخوتنا اليهود، أبًا لنا جميعًا في الإيمان، رغم اختلاف موقفنا العَقدَيّ منه، وكذلك سرد أحداث حياته بحسَبِ كتاب كلّ من دياناتِنا. 

وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ الإنجيل أو العهد الجديد لا يحتوي معلوماتٍ تاريخيّة عن إبراهيم غير تلك الواردة في العهد القديم، إنّما نقرأها من وجهة نظر مسيحيّة، أي نُلقي عليها نور حياة السيد المسيح وتعليمه.


دعا الله إبراهيم إلى أن يغادر بلاده، فترك وراءه أهله وعشيرته، مصطحبًا زوجته سارة وكلّ ما يملك، وكذلك نوحًا ابن أخيه.

نعي، بحكم انتماء الكثير منا إلى مجتمعات ذات بُنية عشائريّة، أهميّة العائلة والعشيرة والأرض. إنّهم أشخاصٌ وكذلك أشياءٌ نعتمد عليها ونجد فيها الأمان والسند والغوث عند الحاجة. 

عن كلّ هذا يتخلّى إبراهيم استجابةً لنداء الله، ويتوجّه إلى أرض لا يعرفها، متحمّلا صعوباتٍ جمّة ومخاطر كثيرة. فلطاعة الله ثمنٌ غالٍ ولها كذلك مكافأةٌ تفوق هذا الثمن.

يصل إبراهيم أرض فلسطين وينال من الله البركة في كلّ ما يملك، ولكن يسكن قلبه أسىً كبير: لم يرزقه الله بنين أو بنات. وينال الوعد بأن سيلد له ولسارة إبن رغم عُقم سارة وتقدّمهما في السنّ. 


وهنا أيضّا، يؤمن إبراهيم بكلام الله ويثق بوعده. يمنحه الله ابنًا -إسماعيل- من هاجرَ أمته، ولكن ليس هذا "ابن الوعد". 

يزور إبراهيم ثلاثة رجال غامضين، فيستقبلهم بحفاوة وكرم وضيافة لا تزال بعض معالمها حاضرةً في عادات أهل الشرق إلى يومنا هذا، ويعدونه بأنّه سيولد له ابن، فيؤمن، ويولد إسحق ويكبر وتكون علاقته بأخيه من أبيه، اسماعيل، صعبة، ما يدفع سارة الى أن تطلب من إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها، فيرضخ إبراهيم مُكرَهًا، ولكنّ الله يطمئنه إلى أنّه سيجعل من إسماعيل كذلك أمّة عظيمة. واليهود، كما هو معلوم، مِن نسل إسحق، أمّا العرب فهم مِن نسل إسماعيل.

يختبر الله طاعة إبراهيم بأن يطلب منه تقديم ابنه إسحق ذبيحة. هذا ما يقوله العهد القديم ويقبل به العهد الجديد. ومع أنّ القرآن لا يذكر اسم الإبن الذي كان إبراهيم على وشك تقديمه، فإنّ التقليد الإسلاميّ رأى في إسماعيل ابن الذبيحة.

يذكر الكتاب المقدس أنّ الله وعد إبراهيم بأنّه سيكون بَرَكةً لكلّ الشعوب، لا لنسله فقط من سارة وهاجر.


تسبق سارةُ زوجَها الى الأبديّة فيبكيها ويشتري لها قبرًا يدفنها فيه ثم يُدفَن هو أيضًا فيه عند نهاية حياته، وهو اليوم الحرم الإبراهيميّ في مدينة الخليل الفلسطينيّة التي تحمل اسم أبينا إبراهيم خليل الله، أي صديقه.

هذا هو بإيجاز إبراهيم وهذه هي سيرته من وُجهة نظرٍ مسيحيّة، والذي ذهب البابا فرنسيس ليحجّ إلى موطنه، العراق.  فما هي الرسائل التي تحملها زيارة البابا إلى هذا البلد الذي عانى من الحروب ومن الغزو الأجنبيّ ومن الإرهاب ومن الصراعات العرقيّة والدينيّة والطائفيّة ومن التدخّلات الأجنبيّة والفساد وسوء الإدارة؟ 

وما هي رسالة قداسته إلى مسيحيّي العراق الّذين عانوا الإضطهاد والإرهاب والتشريد وتدمير كنائسهم وأديرتهم وتراثهم الدينيّ والثقافيّ، ما اضُطرّ مئات الآلاف منهم إلى الهجرة خارج أرض آبائهم أو إلى الالتجاء إلى مناطق أخرى داخل بلدهم؟ رسائل كثيرة


الرسائل كثيرة، ويتّضّح بعضها من خلال محطّات الزيارة:

للحجّ إلى منابع الإيمان دورٌ كبير في المسيرة الدّينيّة والرّوحيّة والإنسانيّة للمؤمن وللجماعة المؤمنة؛ لاستذكار أهل الإيمان والخُلُق القويم والشهامة والكرم فائدةٌ كبيرة للفرد وللمجتمع بأسره؛

العنف المرتَكب باسم الله لا يُرضيه تعالى، بل يُغضب وَجهه؛ الحياة مقدّسة ولذلك وجب الحفاظ عليها وحمايتها؛ العنف والإرهاب المرتَكبان باسم الدين لا ينفعانه ولا يدافعان عنه، بل يشوّهان صورته وصورة من يؤمن به؛ السلام يمجّد الله ويُسعد الإنسان، وهو عطيّة منه تعالى وعمل يد الإنسان في آن؛

الحوار بين المؤمنين المبنيّ على الاحترام المتبادَل والصدق يعزّز الثقة ويبني الصداقة ويفتح الطريق أمام التّعاون المشترَك من أجل الخير العام. لقاء البابا بالمرجع الدينيّ الأعلى آية الله العظمى عليّ السيستاني واللقاء بزعماء الأديان في أور، مدينة إبراهيم، كانت محطّات هامّة على صعيد حوار المؤمنين، وبخّاصة المسلمين والمسيحيين منهم؛

الصداقة بين رجال الدِّين كما بين المؤمنين تعود بالنّفع على أهل الأديان وعلى المجتمع بأسره؛

الفساد آفة يجب أن تُحارَب ويتمّ التغلّب عليها؛

المسيحيون مكوّن أصيل وأساسيّ في المجتمع العراقيّ، ولذلك من الضروريّ الحفاظ عليه وتنميته؛

المواطنة المتساوية للجميع والحاضنة للتنوّع كفيلة بتحقيق العدل والحفاظ على حقوق كلّ مكوّنات المجتمع؛

مكوّنات عرقيّة ودينيّة عراقيّة أخرى هي أيضا عانت الكثير من وحشية داعش، بدءًا بالإيزيديّين ونسائهم وفتياتهم، فمن الواجب البحث عن المفقودين والمفقودات وتأهيلهم وإعادتهم الى حياة آمنة كريمة؛

الصعوبات والتحدّيات لا يجب أن تُميت الأمل الذي هو أكثر ما يحتاجه العراقيّون في هذه الظروف.

هذه هي بعض الرسائل التي حملها البابا فرنسيس ونقلها إلى السلطات الدينيّة والسياسيّة والمؤمنين والمجتمع المدنيّ. الأمل والدعاء أن تصل وتوضَع موضع التطبيق من أجل عراقٍ موحَّد ينعم بالسلام والأمان والازدهار.

هذه الرسائل، بالرغم من أنها للعراقيّين أوّلا، إلاّ أنّها لبلدان الشرق كذلك، الذي يمرّ العديد منها في ظروفٍ مأساويّة كسوريا واليمن ولبنان.

بارك الله العراق، وحفظكم جميعًا مُناصرين للحقّ ومُدافعين عن الإنسان، كلّ إنسان، وعن كرامته وحقوقه.