وجدت الله في مذكراتي

زينب شمعون - لبنان - تعددية

عندما بدأت جائحة كورونا، عدتُ لزيارة كل ما هو قديم في خزائن المنزل وتَفقُّدِه، بدءًا من كومات الصور العائلية القديمة، ووُصولًا إلى مذكرات ذاتية شخصية كنتُ قد اعتدتُ كتابتها كل ليلة.



أمتلك الكثير من المذكرات واليوميات، من كلمات وأحاديث ومشاعر مدوَّنة في عشرات الدفاتر الملونة والمزخرفة، اختصرَت لحظات من طفولتي ومراهقتي.

أبرزُ ما أعادته لي تلك المذكرات، هو صوتي مع الله. وجدتُ فيها أحاديث مطوَّلة عنه ومعه. كنتُ قد نسيتُ أن الطفلة التي في داخلي حرصَت على تدوينها. في كل ليلة، أحدِّثه وأبحث عنه بالكلمة. العديد من المذكرات كُتبت على شكل رسائل إلى الله. 

في مذكراتي كلمات التمجيد والحب والعتاب والغضب، فيها الكثير من الاعترافات والاعتذارات والشكر، والكثير من التساؤلات والرغبات والوعود: "عزيزي الله، كيف حالك اليوم؟ كان يومًا دراسيًّا جميلًا، اشتقتُ إليك كثيرًا. كما وعدتُك بالأمس، استيقظتُ باكرًا وصلَّيت صلاة الصبح. لن أنقطع عن صلاة الصبح بعد اليوم أبدًا".


قد ندرك -عندما نقرأ- أننا لم نتغير في الجوهر، إلا أن خطابنا مع الله قد تَغيَّر إلى حد بعيد. في مذكراتي براءة وحرية مطْلقتان في الكلام مع الله. سلاسة وطلاقة نفقدهما كلما كبرنا في العمر. تتقَولب علاقتنا به بما يناسب معايير الجماعة الدينية، التي ننتمي إليها. 

فتَسقط المعايير الكلامية، ونَحفظ قاموس العبارات المسموح استخدامها منها والممنوع، ويحدَّد كلامُنا مع الله بصلاة وأدعية وعبادات موحَّدة –قد نفهم مضمونها وقد لا نفهمه–، حتى نصبح جميعًا نخاطب الله بكلام واحد، لا يَحمل من البعد الشخصي والمشاعر الذاتية إلا القليل، وتتحول صلاتنا إلى عادة، كلٌّ يتفاعل معها بطريقته. 

جميلة هي الصلاة الدينية التقليدية، عبادةٌ تَخلق التزامًا بيننا وبين الخالق. مواعيد يومية روتينية محدَّدة، نلجأ فيها إلى من نؤمن به مَصدرًا للراحة والأمان والعون، وفرصة لشحن طاقة إيجابية، لكنها قد لا تكون وحدها كافية لبناء ارتباط وثيق بيننا وبين الله. 


قد يعود السبب إلى أنها تفتقد الابتكار الذاتي، وتَحمل الكثير من التكرار. أيضًا يجد الكثير منا صعوبة في التركيز المتواصل أثناء الصلاة. قد تَشرد بنا أفكارُنا الحياتية ونحن بين يدي الله نؤدي الواجب، وهذا من طبيعة الإنسان البشرية.

لا يمكن الوصول إلى الارتباط الروحاني المطلق بالله برأيي دون ابتكار طرق خاصة بنا. نعلو باتصالنا تارة، حتى يُخيَّل إلينا أننا نطير إلى السماء، وقد نصل إلى الملكوت الأعلى. وينخفض بنا تارة أخرى، يتركنا تائهين في بقاع الأرض، وكأنَّ جبال الدنيا بيننا وبين الله.

علاقتنا بالله ليست جامدة، بل تستمر في التغير والتبدل والنضج والتحسن والتراجع. تعلمتُ من مذكراتي أن هذا التأرجح ليس مُعيبًا، ولا يعني أننا قد غرقنا في الكثير من المعاصي، حتى أبعدَنا الله عنه. المراهقة التي في داخلي ملأَتِ الدفاترَ بالاعتذارات وطلبِ السماح عند أصغر خطيئة، إنِ اغتبتُ أحد الأشخاص، أو كذبتُ، أو استغرقتُ في النوم عند أذان الصبح. 


لم تُبعدني هذه "الخطايا" عن الله، بل على العكس، الكتابة جعلت حضوره أقوى في وجداني. مهْما أنْسَتْني فوضى النهار الله، أعادت حضورَه الكتابةُ والمذكرات ليلًا إلى ذهني.

على مستوى آخر، الكتابة إلى الله قد تكون علاجية لبعضهم. نعيش اليوم أصعب الظروف المعيشية والاقتصادية والسياسية، حتى القِيَمية. 

نستغرق في المشاكل الحياتية التي تؤثر في صحتنا النفسية والجسدية والعقلية، ومِن ثَمَّ -بوصفنا مؤمنين ومؤمنات- تؤثر في علاقتنا الوجدانية بالله، فتملؤنا التساؤلات ومشاعر الذنب والشكوك التي تُترك بلا أجوبة. 


قد لا يمتلك بعضنا أحدًا ما لمشاطرته هذه المشاعر الذاتية الخاصة، فلماذا لا نلجأ إلى تدوينها على الورق بشكل رسائل إلى الله؟

التواصل مع الله حاجة، وُجِدتْ لجعل الانسان سعيدًا وحرًّا ومطمئنًّا. ولكن، كيف يمكن أن نرتوي من فيض الله، إنْ كان كل خطابنا معه محدودًا ومقَولبًا بالممارسات، التي وُضعت للجماعة بشكل عام؟ 

بوصفنا مؤمنات ومؤمنين، قد نحتاج إلى تجربة العديد من الطرق والأساليب، للمحافظة على اتصالنا الروحي بالله، وضمان استمراريته بالشكل الذي نحتاج نحن إليه، ويحبه هو. فالصلاة ممكنة قيامًا وقعودًا وكتابة وإبداعًا.


في ظل الصعوبات الحياتية، إضافة الى المثالية المفروضة على علاقتنا بالله، والتلقين الديني المستمر والموحَّد، قد يتشوش اتصالنا بالخالق، وقد ننسى أن هناك مَن يرعانا. ولكن، الطفل الذي في داخلنا لا ينسى. 

الطفلة التي كتَبتْ تلك المذكرات في كل ليلة، لم تنسَ. تُعلِّمني تلك الفتاة طبيعة علاقتي بالله، ربما أكثر ممّا علَّمني إياه أيٌّ من رجال الدين. تُعلِّمني ألَّا نختبئ وراء مشاعرنا وأفكارنا فقط لأنها لا تُناسب القالب الاجتماعي الموسوم دينيًّا في بيئتنا. 

تُعلِّمني الجرأة والتصالح مع الخالق والذات، قبل التصالح مع الأعراف وأحكام المجتمع والجماعة. الله يحاسبنا بوصفنا أفرادًا لا جماعات، فلْنُغذِّ علاقتنا به كما نحب، مُطْلقين العنان للإبداع في التواصل مع من هو مُبدِع وخلَّاق.


الآن، لم أعُدْ أكتب إلى الله كما في السابق؛ إذ إني وجدتُه في مذكراتي. وجدتُه في الطفلة التي حدَّثَت اللهَ بي وبه. أجمَلُ ما يمكن أن يكون في علاقتنا بالله، هو أن نَخرج من الصندوق ونُبدع بطرق التواصل معه. 

خلقَنا مختلفين لنخاطبه، كلٌّ بطريقته. وحْدَنا قادرون على تحديد ماهية خطابنا وصلاتنا مع الله. وإنِ اعترضَتنا العراقيل العُرفية والاجتماعية السلطوية، نعود إلى الطفل الذي في داخلنا، ونتعلَّم منه كيف كان يخاطب الله!