ما هي الأسرار التي أخفاها أندريه مالرو في سيرته الذاتية؟

إبراهيم العريس باحث وكاتب - اندبندنت عربية

  • "مذكرات - مضادة" للمفكر الفرنسي كتابة جديدة أم تهرّب من طفولة ما؟

لم يسبق أحدٌ الكاتب الفرنسي أندريه مالرو في استخدام كلمة "مذكرات - مضادة" عنواناً لسيرته الذاتية، ومن هنا لئن كان كثر قد اعتبروا ذلك الكتاب نوعاً جديداً من كتابة المذكرات وراحوا يبحثون عما هو مختلف فيه عن بقية ما كتبه آخرون في هذا المجال، رأى غيرهم أن مجرد الاستخدام الفريد لتعبير كهذا إنما يخفي في الحقيقة طرق تملص اتبعها الكاتب ليتفادى اضطراره إلى الدنو من تفاصيل في سيرته لا يريد الإفصاح عنها. 

ومن هنا اختار لذكرياته أن تكون "مضادة" من دون أن يشرح لنا مضادة تجاه ماذا. غير أن هذا لا ينقص لا من أهمية الكتاب ولا من أهمية الكاتب حتى وإن كان يبقي الكثير من أسرار حياته ألغازاً من الصعب فكّها.


رحيل بلا خليفة

وحتى إذا كان من الصعب اليوم القول إن مالرو الكاتب والوزير والناقد والمفكر والروائي والمناضل السياسي، قد ترك حقاً أثراً كبيراً في الحياة الفكرية الفرنسية كأن نقول عن كاتب معاصر أنه يكتب على "طريقة مالرو"، فإن ليس في وسعنا أن نقول في المقابل إن مالرو قد سار في كتاباته الروائية أو الفكرية أو الجمالية، أو في ربطه بين العملين الثقافي والسياسي، على خطى أي كاتب من قبله. 

وكأن القدر قد شاء له أن يكون ويرحل نسيج وحده بين الكتّاب الفرنسيين. وكذلك كان فريداً في الألغاز التي أحاطت بطفولته ولم تجب عنها أي من صفحات "مذكرات - مضادة".

ولعل الأكثر تعقيداً بين الألغاز التي يمكن أن تكون محيطة بحياة مالرو، لغز طفولته، فحتى اليوم وبعد مئة وعشرين سنة تماماً من ولادته (عام 1901) وخمسة وسبعين عاماً من رحيله (1967) لا يملك المؤرخون معلومات قاطعة عن تلك الطفولة، علماً بأن الكاتب نفسه يغفل في "مذكرات - مضادة" ذكر أي شيء عنها، بحيث لا نعرف سوى أنه ولد في مونمارتر الباريسية، لنقفز نحو عشرين سنة ونراه في بدايات سنوات العشرين من القرن الفائت، شاباً محباً للكتب يقتني نادرها ولنراه فجأة في عام 1921 يلتقي كلارا التي ستصبح زوجته من دون مقدمات، ويبدأ ارتياد الأوساط الأدبية من طريق ماكس جاكوب، ثم يلتحق بالسورياليين من طريق أندريه سالمون، وبعد ذلك بجماعة "المجلة الفرنسية الجديدة" من طريق أندريه جيد. 

ولكن كيف تكوّن مالرو قبل ذلك؟ هل درس الفن حقاً؟ وماذا عن اللغات الشرقية ومن أي وسط عائلي أتى؟ إنها وسواها أمور يحدثنا عنا الآخرون ولكن ليس هو!



هل دفن قبل أوانه حقاً؟

اليوم، قد يكون أندريه مالرو منسياً بعض الشيء، هو الذي "دُفن" قبل أوانه، ثم طفق يُستعاد بين الحين والآخر، مرة لمناسبة صدور كتب له، ومرة لمناسبة صدور كتب عنه، ثم مرة لمناسبة نقل رُفاته إلى البانتيون ليُدفن إلى جانب عظماء فرنسا، ثم بين حدث وآخر من تلك الأحداث يُنسى أو يكاد.

ترى كيف يمكننا البدء هنا، في تقديم هذا المفكّر الذي يمكن ربط اسمه، عربياً، باستقلال الجزائر كما تصوّره وأسهم فيه الجنرال ديغول؟ كما بموقف هذا الأخير الغاضب من إسرائيل إثر هزيمة يونيو (حزيران) 1967؟

بكل بساطة عبر وضعه، منذ البداية في إطار التعريف به كـ"مثقف مناهض للفاشية، وكرجل فعل ذي مزاج يميل إلى المغامرة منذ بدايته". فمنذ تلك البداية، توجّه مالرو توجهاً ثورياً، ليس فقط في كتاباته، بل بخاصة في انتمائه إلى "جمعية الكتّاب والفنانين الثوريين"، وكذلك إلى "الجمعية الأممية للكتّاب المدافعين عن الثقافة". وهما جمعيتان يساريتان كان لهما وجود ونفوذ كبيران في ثلاثينيات القرن العشرين.


ضد العمى الأيديولوجي

بيد أن أندريه مالرو لم يكن، مع هذا، أعمى العينين، عن الحقائق التي كان يمكن أن يعمى عنها غيره من المناضلين الأيديولوجيين، ومن هنا فإن الموضوع الأساس في معظم رواياته، ومهما كانت درجة ثوريتها وتقدمها، إنما هو العظَمَة التراجيدية للمناضلين الثوريين وضياعهم في وجه شروط إنسانيه تقف دائماً في وجوههم، بخاصة كنتيجة للعمى الأيديولوجي أكثر مما كنتيجة لقوة العدو. 

ولئن كان هذا الجانب من حياة الثوار ومأزقهم بدا غريباً بعض الشيء في تلك الأزمان المبكرة حين كان الغد الثوري لا يزال يبدو زاهراً، والعدو واضحاً والنضال خطياً بسيطاً، فإن النصف الثاني من القرن العشرين أتی لیُرینا کم کان مالرو على حق وكم أن الفساد كان في الداخل لا في الخارج. لكن المشكلة هي أنه حين ظهر هذا، كان أندريه مالرو قد بدأ يُعتبر، سياسياً على الأقل - من أساطين المقلب الآخر.


في الشرق البعيد

إذا كان من الصعب اختصار حياة ونشاط ونضال وكتابة مالرو في سطور، فإننا سنحاول هذا، هنا مجازفين بألا تبدو الصورة على مثل الوضوح الذي نتوخاه. المهم أن حكاية مالرو كما رُويت عنه ويحكيها لنا هو في "مذكرات - مضادة"، تقول إنه، بعد تخرّجه من مدرسة اللغات الشرقية، وبعد أن حقّق شهرة أولى بنصوص أولى كتبها، سافر عام 1923 إلى الشرق الأقصى حيث سيعيش بصورة متواصلة حتى عام 1927. 

وهناك سوف يشارك في بعض البعثات الجيولوجية، لكننا بعد ذلك سنجده مشاركاً، وبشكل فعّال في الثورة الشيوعية تحت زعامة صن يات صن، قبل مجيء ماوتسی تونغ. ولسوف يكتب مالرو، في أعوام 1928 و1930 و1933 على التوالي، ثلاث روايات تعتبر شهادة حيّة وأدبية فائقة القوة، على تلك المرحلة من حياته، وبشكل أكثر تحديداً، على الثورة الصينية نفسها: "الغزاة" ثم "الدرب الملكية" وأخيراً - بخاصة – "الشرط الإنساني"، التي تعتبر عادة من بين أروع ما كتبه مالرو، هي التي جمع فيها هذا الكاتب وقد أضحى في أعلى درجات نضجه، جملة مواضيع آلف بينها، ولكن دائماً عن أجواء الصين، ليركّز أخيراً على بضعة أفكار يهجس بها: مثل الثورة والإخوّة والموت والخيانة... وهي المواضيع نفسها التي سنجدها لاحقاً في روايته التالية "الأمل" التي لها حكاية أخرى يرويها في "مذكرات – مضادة".

ونعرف أن تلك الروايات التي كتبت في الصين وغيرها من بلدان جنوب شرقي آسيا، معروفة ومقروءة على نطاق واسع، غير أن ما لا يعرفه كثر هو أن أندريه مالرو اشتغل، لمرة واحدة من حياته على الأقل، في الإخراج السينمائي... ولكن ليس كمخرج محترف، بل كفنان صاحب قضية ملحة وآنية يريد التعبير عنها. 

كان ذلك في عام 1938 والقضية كانت قضية الجمهوريين الإسبان الذين كانوا يخوضون حرباً أهلية عنيفة في ذلك الحين ضد الديكتاتور اليميني الفاشي فرانكو وجماعته المدعومين من ألمانيا الهتلرية وإيطاليا موسوليني.


عن إسبانيا وحربها الأهلية

في ذلك الحين، لم يكن أندريه مالرو المبدع الأجنبي الوحيد الذي وقف إلى جانب الجمهوريين، فكرياً ونضالياً ولكن في شكل ميداني أيضاً. حيث كان واحداً من عشرات من الكتاب والفنانين الأوروبيين والأميركيين الذين سارعوا إلى نجدة "قوى التقدم" ضد "القوى الفاشية"، وفق تعابير تلك المرحلة. ومن بين هؤلاء جورج أورويل وأرنست همنغواي وغيرهما. 

ولئن كان بعض المبدعين رأى في حمل السلاح بشكل فعلي وسيلة لمناصرة إخوانه ورفاقه في الفكر، وانتصاراً لشعب يريد الحرية والتقدم والتخلص من الديكتاتورية المحلية المرتبطة بقوى عظمى فاشية عالمية، فإن أندريه مالرو وجد أن أحسن ما يفعله المبدع في هذا المجال، هو وضع إبداعه في خدمة القضية. 

وهو، لئن كان كتب قبل ذلك رواية "الأمل" عن بدايات الحرب الأهلية الإسبانية، فإنه في المرحلة التالية آثر أن يجرب حظه في السينما، وهكذا أخرج فيلمه الوحيد: "الأمل" الذي" كان يفترض به أن يكون ملحقاً برواية "الأمل"، لكنه سرعان ما تحول خلال الاشتغال عليه، ليصبح، انطلاقاً من فصل واحد من فصول "الأمل"، فيلماً قائماً في ذاته، يختلط فيه المتخيل بالواقعي، والممثلون بالمقاتلين الحقيقيين، والأحداث المركبة المبتدعة بالأحداث التي عاشها مالرو أو شهدها شخصياً، أو تلك التي رُويت له. 

لكن الفيلم جاء فوق هذا كله أشبه بتأمل عن مفهوم الحرب نفسها: لماذا الحرب؟ هل هي جديرة بأن تخاض، أم أنها مجرد عبث كان يمكن الاستغناء عنه؟ والحقيقة أن الحرب التي أتت لتتحدث عنها تلك التأملات لم تكن، في الطبع، الحرب الإسبانية وحدها، بل الحرب في شكل عام. 

وإذ يتحدث مالرو باستفاضة عن هذا الفيلم في "مذكرات – مضادة" يبدو واضحاً أنه يعطيه مكانة كبيرة في مساره ويبدو وكأنه ظل يتوق إلى العمل السينمائي!