دولا اندراوس: تكتب "الحرائر شرائك"

دولا اندراوس - كندا

أقول أنها مشوهة لأنها عبارة عن خليط غير مفهوم بين منظومة دينية متشددة، ومورثات ثقافية بالية، وقيم أخلاقية شوهاء أنتج لنا في النهاية تركيبة أيديولوجية عجيبة أصبحت هي المرجع الأول والأخير والآمر الناهي المسيطر على كل أمور حياتنا.



وقد اكتسبت هذه الأيديولوجية رسوخا وتمكنا من ذهنية الأغلبية بعد أن تم حقن العقول بها لعقود طويلة فأصبحوا يولونها ثقتهم بشكل غير مشروط ويمنحون المنتمين إليها - ولو ظاهريا أو إسميا فقط- كارت بلانش للتحكم في مصائرهم وفي كيفية تسيير المجتمع وتوجيهه.

المؤسف أن هذه الايديولوجية العقائدية تتعامل مع الظواهر الإنسانية والاجتماعية لا بشكل تطويري فيه إفادة ونفع للناس، وإنما بشكل تقويمي يثقلهم بمشاعر الذنب ويشغلهم بإشكاليات الحلال والحرام والجنة والنار والثواب والعقاب. 

وقد أدى استسلامهم التام لها إلى تغييب العقل وتردي الوعي بصورة عامة، وهو الأمر الذي مهد الطريق لتحلل مفهوم الفردية وانصهار الأفراد في المنظومة القيمية للجماعة وتبنيهم لخطاب أخلاقي جمعي يدفع عنهم عبء التفكير الحر ويجنبهم تحمل مسؤولية اختياراتهم الشخصية. 

ومما لا شك فيه أن انخراط الأفراد في الكيان الجمعي يتم بمباركة الدولة ورعايتها حيث أنها تستخدم هذه الحالة الجمعية كآلية لتحريك الجماهير والسيطرة عليهم ولممارسة الضغط المعنوي على المختلفين معها عن طريق إلحاق العار الاجتماعي بمن يرفض الانضواء تحت راية منظومتها القيمية.


في هذا الإطار الثقافي الأخلاقي الذي تشرف عليه الدولة وتباركه، ينصب المجتمع محاكمات تأديبية هزلية "لقرص أذن" الأفراد الذين يشذ سلوكهم عن المنظومة الأخلاقية السائدة والذين يرتكبون أفعالا مدانة مجتمعيا. 

وقد رأينا كيف تم التعامل مع العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام مؤخرا من زاوية أخلاقية بغض النظر عن طبيعتها. فسواء كانت القضية فنية أو إنسانية أو شخصية أو متعلقة بالذوق العام، فقد خضعت كلها للمقياس الأخلاقي، وفرض المجتمع المتأثر بالافكار والتعاليم الدينية السلفية الرجعية وصايته الأخلاقية والأدبية على المدانين، وأعطى لكل متنطع الحق في إقحام نفسه في ضمائرهم وفي حياتهم الخاصة بحجة تقويمهم وتربيتهم أخلاقيا. 

وزيادة في العبث نجد أن القانون نفسه أصبح خاضعا لهذه المنظومة بدلا من أن يخضعها له، وأصبحت مواده تستخدم كأداة تهديد ووعيد واستهداف رسمي لمن تسول له نفسه التمرد عليها، بل أن رجال القانون ورجال الأمن أنفسهم أصبحوا يستغلون مراكزهم وسلطاتهم لردع السلوكيات المخالفة للآداب العامة حتى وإن لم تكن مخالفة للقانون، وابتُكرت تهما مطاطية لإلصاقها بغير المستجيبين والخارجين عن المعايير القيمية للمنظومة مثل نشر الفحش والحض على الفجور وتعمد إثارة الغرائز وخدش الحياء والاعتداء على مبادئ وقيم أسرية في المجتمع إلى غيرها من التهم الفضفاضة المبهمة التي لا توجد لها معايير ثابتة والتي يختلف تفسيرها بحسب مزاج المحقق أو رئيس النيابة، ودعاوى كثيرة تسوغ ملاحقتهم إلى أن يذعنوا ويظهروا التوبة ويعلنوا فروض الولاء. 


وقد ازداد التركيز بالطبع على النساء باعتبارهن الحلقة الأضعف والفئة الأكثر اضطهادا في المجتمع.

شحذ مجتمع "إيه إلي وداها هناك" سلاحه ضد المرأة وأقام لها محاكم التفتيش ليُسقط عنها حقها في أن تخطئ وفي أن تقوم بتصحيح أخطائها وفي أن تتفاعل مع المجتمع ككيان قائم بذاته وفي أن تتعلم وتتطور وتنمو. 

فالمرأة في نظر المجتمع ناقصة الأهلية غير قادرة على اتخاذ قرارها وليس لها أن تمتلك جسدها وانما هو ملك للرجل وللمجتمع. وقد فضحت تلك القضايا التي طفحت على المشهد الاجتماعي المصري بما لا يدع مجالا للشك تحيز المجتمع للرجل وتنمره على المرأة واستعدائه لها حيث أفلت من قبضته معظم المتورطين الرجال بينما أحكمها على النساء والفتيات واضطرهن إلى أن يقُمن باستجداء الصفح والغفران من الجماهير الغاضبة في مواقف ذليلة ومخزية من أجل تجنب العقاب أو استعادة القبول المجتمعي. 

هذا المشهد يفضح تهلهل المنظومة الأخلاقية التي يعتنقها الأغلبية والتي تتمركز بشكل لافت حول المرأة وتقلب مفاهيم القيم رأسا على عقب. 

فقد حصر المجتمع كل قيمه الثقافية والدينية والأخلاقية في سلوك نسائه فلم يعد مفهوم الشرف لديه متمثلاً في أن يقول المرء ما يفعل، وأن يفي بما يعد، وأن يجاهر بما يؤمن به، وأن يساند المستضعفين، وأن يحفظ الأمانة، وأن يكون على خلق، وأن يعف عن فعل الشر، بل انحصر في فكرة واحدة لا يتعداها ألا وهي قدرته على ضبط سلوك نسائه. 


التدين كذلك لم يعد متمثلاً في علاقة سامية تربط الإنسان بخالقه وتنير النفس وتطهر الروح وترقى بالسلوكيات، بل أصبح محصوراً في النظرة الجنسية إلى المرأة والأزياء التي ترتديها أو تلك التي لا ترتديها. فالرجل الذي اعتاد تسليع المرأة واستخدام جسدها -بما في ذلك من خلال العلاقات المقبولة مجتمعيا كما في إطار صفقات الزواج مثلا- يفزع عندما يشعر بفقدان سيطرته على ذلك الجسد حتى لو انتقلت تلك السيطرة إلي المرأة نفسها، والمجتمع الذكوري الذي يغض البصر عن خطايا الرجل وزلاته يفحص بنظارة معظمة سلوكيات المرأة ويقيد محاولاتها للاستقلال والتفرد ويستنكر عليها رغبتها في أن تكون صاحبة قرارها والمتحكم الوحيد في حياتها. 

حتى الرجل نفسه أصبحت تلاحقه اللعنات والاتهامات إذا حدث وتقاعس عن التحكم في سلوك وملبس النساء اللاتي في حياته ودخلت على القاموس اللُغوي ألفاظٌ جديدة على الأذن المصرية تهدد الرجل وتعايره إذا فشل في أن يخضع للمنظومة مثل لفظ ديوث.

وعندما تزداد حالات التنمر ويفتضح السعار الذكوري تجاه النساء وتزداد السلوكيات الأبوية القمعية الفجة ضدهن- يحاول البعض الإتيان بآيات من النصوص المقدسة تبرز المكانة المميزة للمرأة وتكرس للمساوة بين الجنسين. 


وهؤلاء في رأيي لا يبحثون عن حلول حقيقية بقدر ما يسعون إلى تمييع القضية وتبرير الذات، فإن إقحام الدين في شؤون المجتمع والتعامل مع الإشكالية من زاوية دينية هو ما تسبب في تأزيمها من الأساس. 

فأفكار مثل قوامة الرجل ونقص المرأة والاعتقاد بأن الذكور أهل لإدارة الأسرة والشؤون الحياتية العامة بما لا تستطيعه الإناث، هي أفكار ذات جذور دينية عقائدية ومحاولة التوفيق بين الدين والمجتمع في هذا الشأن هو موقف يحد القضية داخل دائرة نظره ويعتمد نفس الأسلوب الذي أودى بنا إلى هذا المنحدر كمنهج للخروج منه ويتعامل مع حركة المجتمع ومع الأفكار التقدمية بجمود وريبة تعكس رفضا قاطعا لها.

الحقيقة أنه إذا كانت أزمة الوعي قد طالت المواطن العربي عموما، إلا أنها أثّرت على المرأة بشكل خاص ونرى ذلك في تبنيها للمفاهيم الذكورية المجحفة ضدها حتى أنها هي نفسها قد تحولت إلى جزء من المشكلة وأصبحت تقاوم التغيير وتتبنى رؤى المجتمع التي تنتقص منها وتتقبل أحكامه الجائرة ضدها بل وتضطهد النساء اللواتي تحاولن الحصول على حقوقهن وتحقيق استقلالهن. 

فمن آلت على نفسها الغرق في مستنقع ظلم الرجل وأنانيته واستسلمت لمجتمع يحملها كل خطايا الذكر وأخطائه، واعتبرت نفسها عورة ونقصا وعيبا، وتعاملت مع جسدها على أنه أداة شيطانية لإغواء الرجل وزعزعة تقواه، هذه تنكر على الأخريات محاولتهن لإثبات ذواتهن وتمسكهن بحقوقهن ورغبتهن في الاحتفاظ باستقلاليتهن وأنوثتهن.


وهي تفعل ذلك إما بدافع الغيرة أو الجهل أو رغبة في استمالة الرجل ونيل رضاه. أي أن الدور الذي تلعبه أولئك في قضايا المرأة لا يقتصر على السلبية والجمود بل يتعدى ذلك إلى كونه عكسيا ومعرقلا.

لم تنجح المرأة العربية في الحصول على حقوقها حتى الآن ربما لأن لا أحد يريد ذلك؛ المجتمع الذي يرسخ للنزعة الذكورية كثقافة جمعية ويسلب المرأة حقوقها على كافة المستويات الاقتصادية والتعليمية والفكرية والجسدية، كما يقلص المساحة الممنوحة لها للتعليم وفرص العمل والمواقع القيادية والمشاركة في العمل السياسي، وأيضا الرجل الذي يعتبرها مشكلة لا شريكا وينتقص من مكانتها ويحجّمها ويحصرها في دورها المنزلي والزوجي، وحتى الحركات النسوية التي تدعي اهتماما بقضية المرأة وتركز جهودها في التعامل مع مشاكلها، معظمها يركز على الصراع مع الرجل ومعاداته وقضايا أخرى هامشية لا علاقة لها بالقضية الأساسية التي هي الحرية والمساواة وبالتالي تفرغ القضية الرئيسية من مضمونها.

إن المرأة بحاجة إلى أن تثور على وضعها في المجتمع العربي وأن تعرف أن الحريات لا تأتي دون صراع وتضحيات وان تعي الفارق بين ما هي عليه وما يمكن أن تكونه إذا تمسكت بحقوقها في الذاتية والحرية والمعاملة الكريمة، والرجل بحاجة إلى أن يعترف بها كشريك وككيان مستقل وواع لتكون معينا له بدلا من أن تكون همه ومشكلته. 

فالمرأة كالرجل تماما، جزء من ثقافة صناعة الحياة، وصاحبة تاريخ طويل من النضال والتضحية، وقد آن الأوان لمجتمعاتنا العربية أن تتخلى عن النظرة المحقرة للمرأة وأن تحتويها من منظور الشراكة والندية للرجل لانه لا نجاح لمجتمع يعتبر المرأة عيبا وعبئا ولا تقدم لشعوب لا تعلي من قيمة أفرادها نساء ورجالا على حد سواء.