زيارة البابا فرنسيس إلى العراق... بين الطموح والتحديات

منى ياقو - العراق - تعددية

يبدو جليًّا لكل من تابع خطاب البابا فرنسيس، الذي وجَّهه إلى الشعب العراقي قبل بدء زيارته، أن الزيارة تهدف أساسًا إلى التركيز على الأركان الأساسية لبناء السِّلم في أي مجتمع تعدُّدي. 



وأهم ما يجمع كل تلك المبادئ، هو اختيار البابا لآية "وأنتم جميعًا إِخْوَة" (متى 23: 8)، بوصفه شعارًا رسميًّا للزيارة.

ورغم انقسام آراء الشارع العراقي بين متحمس للزيارة ومتحفظ عليها، لجملة أسباب، من بينها الوضع الأمني غير المستقر، إضافة إلى الوضع الصحي الحرج بسبب انتشار وباء (كوفيد 19)، إلَّا أن إصرار الحبر الأعظم على إتمام زيارته، هو مؤشر يدل على مكانة العراق وأهميته إقليميًّا ودوليًّا،وعلى مدى اهتمام البابا بشعب العراق، الذي وصفه بأنه شعب يحتاج إلى المصالحة، بعد سنين طويلة من الحروب والإرهاب. 

ومن المعروف، أن للزيارة أكثر من دلالة ومؤشر، لكن أبرز الأبعاد التي نطمح إليها بوصفنا عراقيين أوّلًا، ومسيحيين ثانيًا، هي الآتي:

1- البعد التاريخي: الذي يتمثل بتأكيد عمق الوجود المسيحي على أرض الرافدَين، لكون العراق مهد الحضارات، وهذا ما يعزز الدور البنَّاء لمسيحيي العراق، على مختلف الصُّعُد والمراحل التاريخية.

2- البعد التشريعي: الذي يرتكز على تحسين علاقات المسيحيين بالمكونات الأخرى بشكل حقيقي، وألَّا يقتصر ذلك على الشعارات والمجاملات، أيْ بمعنى أن قَولبة أسس راسخة للتقارب.


يجب أن تُوثَّق بإصدار بعض القوانين التي تحفظ وجود المسيحيين وكرامتهم في وطنهم، وتطوير هذا الوجود ورفع الغبن عنهم، في بعض التشريعات العراقية النافذة، مثل: "قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ"، و"قانون البطاقة الوطنية النافذ"، إضافة إلى الحصول على ضمانة بتشريع قوانين تدعم وجودنا الديني، مثل: "قانون نبذ الكراهية والازدراء بين الأديان".

3- البعد الثقافي: أي ضرورة العمل على تعديل المناهج التربوية، بما يضمن التعريف بالدور الإيجابي للمسيحيين في خدمة العراق منذ تأسيسه، ويضمن عدم بقاء المواطنين/ات غرباء بعضهم عن بعض، وذلك من خلال التركيز على النقاط المشتركة، والانطلاق من الهوية الوطنية الجامعة.

4- بُعد المشاركة السياسية: نأمل إعادة النظر في وضع المسيحيين ضمن المعادلة العراقية، بشكل حقيقي لا صوري، أيْ تمثيلهم في المؤسسات العراقية بالشكل الذي يلبي طموحهم، ويعزز وجودهم، ويُفعل مشاركتهم السياسية، انطلاقًا من مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الجانب العددي لكل مكوِّن.

5- البعد السياسي: التركيز على مصالحة القوى العراقية كافة، بالشكل الذي يعزز عملية التعايش السلمي فيما بينهم؛ ما سيؤثر إيجابًا في واقع مسيحيي العراق، ويضمن بقاءَهم على أرض الآباء والأجداد، دون الخشية على أرواحهم وممتلكاتهم.


6- البعد التنموي: الحرص على حث السلطات الثلاث، على تسريع عجلة الإعمار في مناطقنا المنكوبة (مثل المَوصِل وسهل نينوى)، وتيسير سبل العيش فيها من خلال دعم الاستقرار الأمني والاقتصادي، مع ضرورة التعجيل في حسم الملفات العالقة، التي تتناول معاقبة الجُناة وتعويض الضحايا، واسترجاع ملكية العقارات التي صودرت دون وجه حق.

7- البعد الديني: نطمح إلى أن يكون لقاء البابا التاريخي بالمرجع الديني علي السيستاني، تعبيرًا رمزيًّا مهمًّا عن رسالة السلام المشتركة، التي نحن في حاجة ماسة إليها، بغية التقارب وإشاعة روح التآخي بين كل فئات هذا الشعب العريق. 

ونرجِّح أن يجري التوقيع على وثيقة للأخوَّة الإنسانية بين المرجع السيستاني والحبر الأعظم، حرصًا على ترسيخ علاقات الثقة المتبادلة بين المكونات. 

8- البعد الكنسي: على مستوى الكنيسة المسيحية، فالأمل هو أن تُقرِّب زيارة البابا وجهات النظر بين مختلف زعامات الكنائس المسيحية في العراق، لتوحيد رؤيتهم ومطالبهم بما يعزز حضورهم الديني في الوطن، ويعكس صورة عن وحدة الآمال والآلام والرؤية المستقبلية.

ختامًا، من الطبيعي أن تمثِّل الزيارة دعمًا معنويًّا كبيرًا لنا بوصفنا مسيحيين، وتَحثُّنا على أهمية التمسك بالأرض من خلال مواجهة التحديات، لكي نتمكن من الحفاظ على عددنا الذي بات رقمًا صغيرًا لا يتحمل المجازفة به. 

أيضًا نأمل أن تُعبِّر الزيارة عن بداية لمرحلة جديدة يُكبَح فيها جماح التطرف، ليس فقط على مستوى التنظيمات الإرهابية، بل على مستوى كل المتطرفين الذين يرفضون التنوع الديني، الذي طالما عُرف به العراق.