الحب يلغي الفوارق بين الأرمن والأكراد ويمحو صور القتل

إبراهيم فرغلي - اندبندنت عربية

  • "بالأمس كنت ميتا" رواية للمصرية رضوى الأسود تجمع بين التأريخ والتخييل



"على الرغم من تعلقي بجذوري، وبحثي في طبيعة العلاقات والحكايات التي ربطت بين الكرد والأرمن على مر التاريخ، وتحديداً قبل مجازر الأتراك العثمانيين للأرمن، فأنا مصرية أكثر من المصريين". هذه العبارة تأتي على لسان لوسي، الفتاة المصرية الأرمنية التي تمثل مع صديقة عمرها ليلى وجارهما الوسيم مالك، ثلاثي البطولة، كأصوات سردية، وكثلاثة نماذج لطرف يأتي من سلالة بعيدة. 

الأولى من زواج كردي وأرمنية، تزوجا في مصر بعد وصولهما هرباً من المذابح العثمانية، والثانية ابنة عائلة تعود أصولها لشيخ متصوف صاحب طريقة وجداتها كن يمتلكن شفافية المشاعر التي تجعلهن قادرات على معرفة مشاعر من يعيشون حولهن أو أهلهن ولو بعيداً، والثالث حفيد لجد ممن قاموا بنحر الأرمن وإبادتهم في نهايات السلطنة العثمانية.

تصحبنا الكاتبة رضوى الأسود في الثلث الأول من روايتها "بالأمس كنت ميتاً"، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، في رحلة تاريخية تبدأ في العام 1843، لتعرفنا على صداقة تاريخية بين الأرمني آرشاج مينديكانان، وفرهد منديكانيلي ‏الكردي. استعان الأول بالثاني حين طلب منه السلطان العثماني طباعة ألف نسخة من المصحف، فلجأ الأرمني الكاثوليكي إلى صديقه الكردي باعتباره ابن قوميته، التي كانوا فيها جميعاً يوماً أمة قومية تدين بالزرادشتية، ثم تفرقت لاحقاً إلى قومية مسلمة هي الكردية والأخرى مسيحية.


صوتا الصديقين

ويتعاقب صوتا الصديقين سردياً لنتعرف على ملامح من الثقافتين، ومن كونهما طائفتين يسود بينهما التسامح والتعايش. ولهذا تقارب الصديقان حتى بعد بدء مراحل الثورات الانفصالية عن العثمانيين، ثم بدء الخلافات الطائفية التي جعلتهما يرحلان من مدينة وإن إلى أمد، حيث يتخليان عن الطباعة والنشر ويتحولان للزراعة، وينشأ أولادهما ويكبران معاً، أرمن وأكراد يتعايشون ويعتبرون أنفسهم عائلة كبيرة، ثم تتوالى المحن والهجرة والظروف.

ترصد الكاتبة أيضاً الكيفية التي ضخمت بها النعرات الطائفية العدائية بين الأكراد والأرمن، وكيف تتحول قومية واحدة إلى ما يشبه شعبين متعاديين، أو راغبين في الانتقام من بعضهما بعضاً. 

وهو مثال رمزي مدهش في موضوع الطائفية يكشف كيف أنها لعبة سياسية قديمة مورست في كل زمان ومكان، وتصلح درساً أيضاً في الزمن المعاصر.

نتتبع تفاصيل كثيرة تشرح البعد الثقافي للجيل الثاني الذي ولد ممثلاه آرام الابن الأرمني، وسالار الابن الكردي، لنتعرف على الخلفيات الثقافية لكل من ثقافتي الكرد والأرمن. 

وظواهر الترابط، قبل أن تصيبهما جرثومة التعصب التي راحت تكبر تدريجاً، حتى مهدت للأحداث الدامية التي شكلت أداة لعب بها الأتراك للتخلص من الأرمن ثم من الأكراد.


البحث التاريخي

ويبدو جلياً البحث التاريخي الكبير الذي بذلته الكاتبة وقدمته للقارئ، والمصري خصوصاً، لتكشف جانباً غير معروف لكثيرين، على الرغم من أن الأرمن يعيشون في مصر منذ بداية القرن الماضي وقد ذابوا في النسيج المصري.



في المستقبل البعيد، في زمن الجيل المعاصر من الأحفاد نجد أن وعياً جديداً تشكل يجعل إحدى البطلات تقول، "أعلم جيداً أن نقاء العرق خرافة. 

وأن الخريطة الجينية تتغير من جيل إلى جيل في السلالة الواحدة بفعل التزاوج مع دماء جديدة. يحدث أن يتغير ويتبدل فكر الإنسان بشكل مستمر على مدار حياته بفعل التجارب والقراءات والمشاهدات. فالتنوع أصل الأشياء وحكمة الكون".

تتناول الرواية إذاً قصة أربعة أجيال ما بين 1840 و 1915 من الإمبراطورية العثمانية وصولاً إلى مصر. 

ثم نرى جيلاً لاحقاً يعيش في مصر الجديدة، وبالتحديد في حي الزيتون، ممثلاً في أبطال هذه المرحلة وهم ليلى ولوسي ومالك، بعد أن نتعرف على تاريخ عائلة كل منهم، وتاريخ حي الزيتون ومصر الجديدة، وتنكشف لمحة عن بعض التغيرات والتطورات الاجتماعية في الطبقة الوسطى المصرية خلال تلك الفترة.

وعلى الرغم من هذه الأصوات المتعددة، والنقلات الزمنية والتاريخية، فقد أحكمت الكاتبة السيطرة على أصوات الشخصيات، وعلى خيوط السرد، التي لم تأخذ شكلاً متصلاً، ما مكنها من الجمع في هذا النص بين الرواية التاريخية بسرد غير تقليدي حداثي وبين التخييل.

نجح النص في إضاءة الهم الأساسي ببراعة، المتمثل في كشف الجرثومة البشرية المتوارثة في تدمير الذات باسم النقاء العرقي أو وهم الطائفية، وفِي وضع مفهوم الآخر مجالاً لبحث تاريخي طويل ومشوق، خصوصاً تاريخ الأرمن والأكراد، ومذابح الأتراك ضدهما، ثم تتبع الوفود الأرمني إلى مصر الذي ذاب في النسيج المصري تدريجاً.


الحب بطلاً

الحب أحد الأبطال الأساسيين في هذا النص، وقد كان دوماً سبباً في نوع من الإنقاذ، أو لالتقاط البشر من مصائر مروعة، كأنه سبب من أسباب لطف الأقدار. 

ولعل أبرز تلك القصص قصة الحب التي جمعت بين كِروان (الكردي ابن سالار) وبيروز (ابنة آرام التي ربتها أم كروان)، فقد بلغا مصر بما يشبه معجزة وتزوجا بعد أن غير الزوج ديانته تضحية منه لحبيبته ولأمه، وفاء لوعده لها واستجابة لحلمها الذي همست به إليه منذ مولد الفتاة التي ماتت أمها وهي تلدها. 

ثم طبعاً القصة المركبة جداً بين الثلاثي ليلى ومالك ولوسي، لأنهم عاشوا تعقيدات كبيرة في حياتهم بسبب حب الفتاتين لمالك والعكس.

نجحت الأسود فِي التعبير الحساس العميق عن مشاعر الأنثى العاطفية ومشكلة ثالوث الحب بين أكثر من طرفين، وعن التصوف والصوفية من جهة والسؤال الديني بشكل عام من جهة أخرى في إطار بحث الأزمة الوجودية للإنسان.

الثلث الأخير من الرواية يتناول أسئلة وجودية عن جوهر الفكرة الدينية، وعن التصوف، بحيث نتابع رحلة طويلة يقوم بها مالك، بعد أن يتبين أنه حفيد أحد من مارسوا القتل ضد الأرمن، لكي يبحث خلالها عن نفسه، ويجيب عن الأسئلة الروحية العميقة التي جعلته يقرر التنقل في ربوع مصر أولاً، ثم إلى قبائل فطرية تعيش في الأمازون، ثم شرق آسيا ليتعرف على الديانات البوذية، ثم إلى المغرب ليعيش في فاس قريباً من مقامات أولياء الصوفية.

يرى القارئ أيضاً انعكاس الخلفية الثقافية والروحية لكل طرف من الأطراف الثلاثة على علاقة الحب المركبة التي تجمع بينهم. صداقة تاريخية بين ليلى ولوسي، وعشق ثنائي بين كل منهما ومالك، وعاطفة مزدوجة من طرف مالك لكل منهما. 

ترينا الأسود كيف ترى ليلى بتراثها الصوفي وبصيرتها أن الحب يمكن أن يجمع بينهم، وكيف يمكن أن يؤدي هذا الشعور إلى قتل مشاعر الغيرة، أما لوسي فعلى الرغم من مشاعرها اللادينية، ترى وجوب بل ضرورة أن يجمع الحب بينهم، لأنها وفق تربيتها الواضحة المباشرة من أمها كانت ترى أن ينساق الإنسان لمشاعره الحقيقية بلا لف أو دوران، وبلا خضوع لتناقضات الثقافة الذكورية. لماذا؟ لأن العمر قصير، ولأننا لن نعيش إلا حياة واحدة كما تقول.

ومع ذلك فهي تضحي بنفسها وتدفع ثمن ذلك غالياً، ومالك لا تتملكه الحيرة تجاه الفتاتين فقط، بل وتجاه الوجود فيرحل لأربع سنوات في أرجاء العالم بحثاً عن معنى الوجود ومعنى الإيمان ومعنى الحب.

ومعاً، ووفق تجاربهم، وتجارب أسلافهم ومعاناتهم يصل كثير منهم إلى أن الضلال الذي يوقع البشر في الحيرة وفي الأوهام، يقف خلفه ضلال التأويل

كما لو أنهم جميعاً يناجون أنفسهم لما جاء يوماً على لسان واحد منهم، "يضللنا الحرف في ألغازه المستعصية، نتيه معه وبه عن روح التعاليم الإلهية وصحيح الجوهر، فلماذا كل هذا العذاب والجدل وقد أقرها الرب، "الحرف يقتل، ولكن الروح تحيي؟ "ًإذاً لمَ التمسك بتطبيق النص حرفياً؟ هل نزهق روح المعنى، لتزهق أرواحنا؟!".