مؤسسة أديان: زيارة البابا فرنسيس للعراق دفع لمسار تحقيق المواطنة وتعزيز التنوّع

أديان

إثر زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، ونظرًا لانخراط مؤسسة أديان في الواقع العراقي من خلال شبكاتها والبرامج التي تعمل من أجل المواطنة الحاضنة للتنوّع، نود مشاركة بعض الأفكار معكم بشأن الوضع الحالي في العراق والآثار التي نأملها لزيارة البابا من أجل مستقبل البلاد.



فرصة مميزة للعراق

يقول الدكتور إيلي الهندي، المدير التنفيذي لمؤسسة أديان: "بعد العام 2003، بدأ العراق عمليّة انتقاليّة نحو الديمقراطية والتعددية وحكم القانون، مدرجًا ذلك بشكل واضح في دستوره. 

إلا أن الإيجابية على الورق لم تنعكس تمامًا إيجابية على الواقع؛ إذ ساد عدم الاستقرار وتراجعت الأوضاع الاقتصادية كما شهد البلد صراعات عسكرية متعددة، وشهد ذروة الإجرام واللا إنسانية مع داعش. 

كان عبء عدم الاستقرار هذا كبيرًا جدًا على كل العراقيين وعلى مستواهم المعيشي مما أدّى إلى هجرة أعداد كبيرة منهم، وإلى احتجاجات شعبية عمّت البلاد".

ويضيف: "أما الأقليات الدينية العراقية (ومن بينها المسيحيين، والإيزيديين، والكاكائيين، والصابئة المندائيين، واليهود، والبهائيين) والإثنية (ومن بينها الكورد، والتركمان، والأشوريين/الكلدان/السريان، والأرمن، والشبك).



فقد كان تأثير كل ما سبق عليها مضاعفًا كونها الحلقة الأضعف التي لم تجد لنفسها مكانًا على طاولات المحاصصة وتقاسم النفوذ بين الكبار، ولم تكن حمايتها والحفاظ على وجودها أولوية لدى أي من الحكومات التي توالت منذ 2003".

ويتابع: "فالنقص في السياسيات والقوانين التي تحمي الأقليّات وتحافظ على تنوّعها، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة وغياب شبكة الأمان الإجتماعي الأساسية، والخطر الأمني المستمر مع استهدافها بشكل مباشر أو غير مباشر، كل ذلك دفع هذه الأقليّات إلى الهجرة بأعداد كبيرة، مشكلّة خطرًا وجوديًّا.  

فانخفض عدد المسيحيّين في العراق من حوالي المليون ونصف المليون إلى حوالي 300 ألف. وتجدر الإشارة إلى أنّ قسم كبير من المسيحيّين قد هجّر قبل ظهور داعش خلال فترة التوتّر الطائفي في العراق ما بعد 2003. مثال صارخ على ذلك هي بغداد التي كانت تحتضن معظم مسيحيّي العراق. 

على صعيد أكثر إيجابيّة، تشير الدراسات إلى عودة حولي 46% من المهجّرين من سهل نينوى عام 2014 على يد داعش.

لكنّ المخاطر ما زالت موجودة، بالإضافة إلى الإبادة المرتكبة بحق الإيزيديين، المأساة التي لا تزال مستمرة مع عدم معرفة مصير المفقودين، وعدم وصول مسار العدالة إلى منتهاه حتى الآن".

ويردف المدير التنفيذي لمؤسسة أديان: "يبدو الحراك الشعبي والسياسي اليوم فرصة مميزة لوضع العراق على مسار الإستقرار والخروج من الأزمات المتتالية نحو قيام الدولة وحكم القانون والمواطنة والحكم الرشيد. 

وتتكافل الجهود بين أصحاب النوايا الحسنة في كل المجالات للدفع بهذا الإتجاه. لذلك كان لا بدّ للبابا فرنسيس وهو من سُمّي "بابا الأخوّة" أن يدعم هذه الجهود ويستثمر ما له من مصداقية وحضور معنوي ومحبة أخوية في خدمتها. 

فتوقيت زيارته إلى العراق -رغم كلّ التحديات- يعطي دفعًا لذوي الإرادة الصالحة في مساعيهم ويذكّر المسؤولين بمسؤولياتهم ويثبّت أهل الأرض في أرضهم".

وخلص الهندي إلى القول: "أعطت زيارة البابا للعراق أيضًا الصورة التي يستحقها والتي تنبع من تاريخ مهد الحضارات وأرض الثقافة وبلد التنوّع الذي يضم أكثر 15 مكون ثقافي وعرقي وديني يشكلون معًا عراق العراقة والتنوّع. 

أما مؤسسة أديان وبما لها من باع طويل في العمل على تثبيت مبدأ المواطنة الحاضنة للتنوّع في النفوس وفي النصوص في العراق ولبنان وبلدان أخرى، فتأمل وتسعى بكل قواها وطاقاتها مع أصدقائها وشركائها العراقيين للبناء على هذه الزيارة من أجل عراق المواطنة الحاضنة للتنوّع".

مواطنة على عدّة أصعدة

تقول الدكتورة نايلا طبارة، رئيسة مؤسسة أديان: "بالنسبة لي، أتت زيارة قداسة البابا لتذكّر بغنى العراق، ولتشدد على أهمية العمل من أجل مواطنة حاضنة للتنوّع على عدّة أصعدة، بعد كل ما عانى منه العراق، وللعمل على ألّا يتكرّر".

وتضيف: "إيمانيًّا، حملت الزيارة معاني الرجاء، خارقة اليأس والخوف والعزلة، برسالة تضامن تعيد الإيمان بإمكانية غدٍ أفضل. وجسّدت مشاهد القدّاس في الموصل وسط الدمار، والصليب المنحوت من آثار الخراب من قِبل النحات المسلم "عُمر"، قوّة الحياة على الموت، وقوّة التضامن العابر للانتماءات لإعادة الثقة المجتمعية".

تتابع: "اجتماعيًّا، ذكرّت الزيارة بغنى التنوّع العراقي، خاصةً في اللقاءات مع ممثلين عن أغلب الجماعات الدينية في أور ثم في كوردستان، وبأهمية المحافظة عليه إن كان بالثقافة أو التربية أو السياحة وبالعلاقات التضامنية بين كافة المكونات لتقوية اللحمة المجتمعيّة. 

وإعلان يوم 6 آذار يومًا وطنيًّا للتسامح والتعايش في العراق من قِبَل رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي هو خير دليل على نجاح هذا التذكير".

وتردف: "قانونيّا وسياسيًّا، شدّدت الزيارة على أهميّة طمأنة المتضررين وإعادة الأمل لديهم من خلال إعادة إعمار البنى التحتيّة وجبر الضرر وتوفير الأمن لكلّ من هُجِّروا واضطهدوا، والعمل على تفعيل مواطنة جامعة وحقوق متساوية للجميع. 

فأتت لتعطي دافعًا لكلّ من يعمل على هذه الملفّات ولتسلّط الضوء على الغنى والقوة الموجودين في العراق للوثوب من جديد، بالرغم من كلّ التحديات".

وخلصت طبارة إلى القول: "وأبعد من العراق، على الصعيد المسيحي الإسلامي العالمي، أتى اللقاء مع السيد السيستانى ليبني جسرًا جديدًا مع العالم الإسلامي من خلال أحد أكبر المرجعيات في الإسلام الشيعي، بعد العلاقات المتينة التي بنيت في السنين الماضية مع الأزهر، للتأكيد هنا أيضًا على اشتراك الديانتين في العمل من أجل المستضعفين والمظلومين والمقهورين أولًا، ودورهما في الدفاع عن العدالة المجتمعيّة والكرامة الإنسانية والحريات الأساسيّة".



الحفاظ على التنوّع

يقول الدكتور حسن ناظم، وزير الثقافة العراقي وعضو مجلس أمناء مؤسسة أديان: إنّ "زيارة البابا فرنسيس هي فرصة عظيمة للعراقيين جميعًا، وليس فقط للمسيحيين، لنأسس لمبادئ تعمل في بلدنا على عدّة أصعدة، أولها إرساء الحوار البنّاء بين الثقافات والأديان والمذاهب. 

ما زال لدينا أزمة حوار في العراق، وعليه تأتي الزيارة لدعم مسار الحوار. ثانيًا، تسلّط الزيارة الضوء على أزمة الأقليات التي عاشت هنا لقرون وقرون، ولكنها تتعرّض لإبادة ثقافية، مما يدفعها لترك بلدها، ويشكل ذلك نزيفًا ثقافيًّا يؤثّر على غنى تنوّع العراق. فالزيارة ستترك أثرها في ضرورة الحفاظ على التنوّع".

ويضيف: "ضمن محطات الزيارة، محطّة أور كانت تأسيسًا لمحجة جديدة ستنفع على صعيد العلاقات بين الأديان وعلى صعيد السياحة الدينية. والمحطة البارزة كانت في النجف، في اللقاء التاريخي الفريد بالسيد السيستاني، لقاء له أثر سيستمر طويلًا. 

ومشهد قداسة البابا والسيد السيستاني معًا وتماسك أيديهما يدل على تفكير واحد رغم الاختلاف العقائدي. أما زيارة الموصل، فتعطي دفعًا لهذه المدينة المنكوبة بعد تدميرها بسبب داعش، خاصة مع عمليات إعادة إعمار الموصل وتعزيز ثقة الناس بأنفسهم وبالعيش معًا".

ويشير إلى أن "صلاة البابا فرنسيس على أنقاض كنائس الموصل رسالة سلام للعالم. وترحاب جميع العراقيين بقداسته ونبذهم لداعش رسالة منهم إلى العالم أن أديانهم وأكبرها الإسلام كفء لقيم المحبة والسلام. العراقيون يقولون مع البابا: نزع خيط بسيط من البساط يمكن أن يؤدي إلى إتلافه".



رسالة محبة وأخوّة

يقول: السيد مريوان نقشبندي، مدير العلاقات والتعايش في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في إقليم كوردستان: "زيارة قداسة البابا كان لها أثر إيجابي في قلوب جميع معتنقي الأديان في كوردستان وكل العراق، وأخصص كوردستان بسبب تهيئة الظروف المناسبة للتنوّع فيها. 

وقد شجع البابا على الاستمرار في العيش معًا والتعددية في الإقليم، وشجع أيضًا مسيحيي العراق بشكل عام والمسيحيين في كوردستان على البقاء في أرضهم وألّا يغادروا العراق".

ويضيف: "وهناك رسالة المحبة التي أوصلها البابا للشعب الكوردي والشعب العراقي مؤكدًا على مسألة السلام وإسكات البنادق وتعزيز الأخوة الإنسانية، فهو كما قال جاء حاجًّا مطالبًا جميع أبناء العراق بالتمسك برسالة النبي إبراهيم والعيش كأخوة".