سلام! سلام! سلام!

المطران كيرلّس سليم بسترس - جريدة النهار اللبنانية

بهذه الكلمات ودّع قداسة البابا فرنسيس العراقيّين مختصرًا بها زيارته لبلد دمّرته الحروب والصراعات طوال سنين. هذا الوداع يذكّرنا بالطريقة التي ودّع بها الربّ يسوع المسيح تلاميذه في آخر عشاء معهم قبل آلامه وصلبه بترداده كلمة "السلام" ثلاث مرّات.



إذ قال لهم: "السلامَ أستودعكم. سلامي أُعطيكم" (يوحنّا 27:14). ثمّ وعدهم بالفرح بعد الحزن، قائلاً: "الحقّ الحقّ أقول لكم إنّكم ستنوحون وتبكون والعالم يغتبِط. أجل إنّكم ستحزنون، ولكنّ حزنكم سينقلب فرحًا. المرأة حين تلد تحزن لأنّ ساعتها قد حانتْ. 

ولكنّها عندما تضع الولد تنسى شدّتها وتفرح لأنّها ولدتْ إنسانًا في العالم. كذلك أنتم أيضًا فإنّكم على حزن، ولكنّي سأعود فأراكم فتفرح قلوبكم، وفرحكم هذا لا ينتزعه أحدٌ منكم" (يوحنّا20:16-22). وعاد من جديد فوعدهم بالسلام: "قلتُ لكم هذا لكي يكون لكم فيّ السلام" (يوحنّا 32:16).

ذهب البابا فرنسيس إلى العراق ليدعو العراقيّين إلى السلام. العراق مثل لبنان مكوّنٌ من أديان ومذاهب مختلفة. لم تكن الحروب التي مزّقت العراق مجرّد حروبٍ دينيّة، بل كانت حروبًا سياسيّة وحروب أطماع على السلطة كما يحدث في أغلب الحروب.


لكن كان للدين فيها دورٌ أساسيٌّ، إذ استغلّه المحاربون وسيلة لتنفيذ مشاريعهم السلطويّة والتقسيميّة.

ما هو الدين في الأساس؟ إنّه طريقٌ وطريقة للوصول إلى الله. والأديان تتعدّد بتعدّد الطرق التي تقود إلى الله. وأتباع الأديان يتمسّك كلٌّ منهم بالطريق الذي يراه الأنسب للوصول إلى الله. ومن تعوّد على طريقٍ ما يصعب عليكَ إقناعه باتّباع طريقٍ آخر. 

في تعدّد الأديان ثمّة أمورٌ يتّفق عليها الجميع وأمورٌ أخرى يختلفون فيها. إذا أردنا تبسيط الأمور والدخول إلى عمق الموضوع يمكننا القول إنّ الأمور التي يتّفقون عليها هي من عمل الله، والأمور التي يختلفون فيها هي من عمل الإنسان.


ما هو من عمل الله هو الإيمان بالله، والإيمان بالأعمال الصالحة وبالدينونة في اليوم الآخِر، الذي سوف يدين فيه الله كلّ إنسان بحسب أعماله. 

وما سوى ذلك من قوانين وأنظمة وشعائر وطقوس هو من عمل الإنسان، وفي معظم هذا العمل الإنسانيّ يختلف أتباع الأديان. وهذه الخلافات البشريّة يستغلّها أصحاب السياسة ليفرّقوا الناس يعضهم عن بعض ويبقوا مسيطرين عليهم ومتحكّمين برقابهم.

لذلك إنّ السلام بين البشر يجب أن يبدأ بالسلام بين الأديان. والسلام بين الأديان يجب أن يُبنى على ما يتّفق عليه أتباع الأديان وهو أهمّ بكثير ممّا يختلفون فيه. وللوصول إلى السلام بين الأديان لا بدّ من حوارٍ بين الأديان.


وهذا الحوار لا ينبغي الدخول فيه بعقليّة الرغبة في إقناع الآخر بأنّه على ضلال، وبأنّه على جانبٍ من الكفر. فهذه العقليّة لا تؤدّي إلاّ إلى التشنّج وتصلّب كلّ فريقٍ في موقفه. 

الموقف الأوحد والأنجع للحوار هو احترام الآخر في طريقه إلى الله. فالتحاور يجب أن يتمحور حول توضيح الطريق الذي يسلكه كلّ مؤمن للوصول إلى الله. 

فيدخل كلٌّ من المتحاورين إلى الحوار بالاقتناع بأنّ الآخر ليس بكافرٍ بل هو مؤمنٌ بالله ولكن بطريقة أخرى مختلفة عن طريقتي. وانطلاقًا من هذا الاقتناع يكتمل الحوار بالنظر إلى تحديد سبل العيش معًا بسلام.


إنّ الله لم يخلق الناس ليعيشوا في صدام وصراع في ما بينهم، بل ليعيشوا بسلام. وإذا كانوا كلّهم يؤمنون بالله الواحد خالق الجميع، فينتج من ذلك أنّهم جميعًا إخوةٌ بعضهم لبعض: إخوةٌ وُلِدوا في أماكن مختلفة، يتكلّمون لغاتٍ مختلفة، لهم عوائد مختلفة، وشعائر دينيّة مختلفة، وشاءت الظروف أن يجتمعوا في مكانٍ واحد. 

فالأحرى بهم، بدل أن يتقاتلوا، أن يتحاوروا في ما بينهم ليميّزوا أفضل السبل للعيش معًا بسلام ومودّة. هذا طبعًا ما لا يريده السياسيّون أصحاب المطامع والمصالح الشخصيّة الذين لا يناسبهم أن يتّفق الناس ويعيشوا بسلام، لذلك لا ينفكّون يستغلّون تعدّد الأديان لنشر الأحقاد بين الناس للحفاظ عليهم مستعبَدين لزعاماتهم.


لكنّ هذا ما أراد قداسة البابا فرنسيس أن يقوله للعراقيّين ومن خلالهم لجميع سكّان الأرض تلك القرية الكونيّة، تلك الجنّة التي خلقها الله للإنسان ليعيش فيها بسلام ويحرثها وينمّيها وينتفع من خيراتها. 

ثمّ ألا يجدر بأتباع مختلف الأديان أن يتأمّلوا في أنّ هذه المدينة الأرضيّة، كما يدعوها القدّيس أوغسطينُس، ليست سوى تهيئة للمدينة السماويّة التي يرجو جميع المؤمنين على اختلاف أديانهم الوصول إليها والحياة فيها؟ 

وهناك لا أعتقد بأنّ ثمّة سماءً لهذا الدين وسماءً أخرى للدين الآخر، بل سماءٌ واحدة لجميع الذين يعملون الصالحات.