الشريعة طريق أخلاقي نحو كرامة المرأة

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

عاد النقاش في مصر منذ بضعة أشهر، حول إشكالية حقوق المرأة في علاقتها بالشريعة الإسلامية، وذلك بعد طرح مشروع قانون لتنظيم تعدد الزوجات، ينص على فرض عقوبة على الشخص الذي يتزوج مرة ثانية دون إخبار زوجته الأولى.



أثار القانون نقاشًا حادًّا في مصر، انتقل بعدها إلى بلدان أخرى عديدة. تطرح تلك النقاشات التي انخرطت فيها المؤسسات والقيادات الدينية، المسؤوليةَ الاجتماعية لهذه الأخيرة عن صون قيمَتَي الكرامة والمساواة داخل مجتمعاتها، وذلك من خلال عمل تنويري يسمح بخروج المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من تناقضاتها، التي تمنعها من دخول أزمنة الحداثة وحقوق الإنسان.

سمحت النقاشات ببروز تصوُّرَين على طرفَي نقيض، يرى الأول منهما أن التعدد جزء من "الحلال" الذي شرَّعه الله، في حين يرى الثاني أن التعدد المطلق ينقض روح الإسلام، وقد يكون مَصدر إهانة لكرامة المرأة. 

يعني هذا التناقض أننا لا نملك نفس التصور عن الشريعة، أو عما يستتبعه إيماننا بالله، كالتزاماتٍ إنسانية أو تصوراتٍ أخلاقية.

يرى التصوُّرُ المحافظ أن علم الزوجة الأولى بالزواج الثاني ليس من شروط الزواج، وأن هذا الزواج يبقى صحيحًا. لذا، وصفَت شخصياتٌ دينية سلفية وتقليدية مشروعَ القانون بأنه مخالف للشريعة الإلهية، لأن زواج المسلم بأكثر من زوجة هو "حق غير مقيِّد للمسلم كما أنه غيرُ ملزَم بإخبارها".


لا شك أن مثل هذه الردود تشكل جزءًا من الخطاب الهوياتي، الذي يحاول خلق حالة رُهاب جماعي حول فكرة تحديث مدوَّنة الأسرة، محاوِلًا عبثًا أن يتغافل عن أن كل المجتمعات العربية الإسلامية قد بدأت تَدخل مرحلة الحداثة، من خلال الانتقال إلى شكل الأسرة الأساسية المشكَّلة من زوج وزوجة وأبناء.

أعتقد أن الاستناد إلى الطابع الإلهي للتشريعات والنصوص، يهدف إلى خلق فكر تبريري يمنع الفكر الديني النقدي من طرح السؤال الأساسي: "ما معنى أن مصدر التشريعات هو القرآن؟ أو ما معنى إلهية التشريعات؟". 

في حقيقة الأمر، يجري الخلط برأيي بين منظومة الفقه بصفتها مجموعة أحكام، ونظام الشريعة بوصفه قواعد أخلاقية لا يمكن اختزالها في مجموعة تشريعات ثابتة وأزلية. 

لذا، يجب فهم التشريعات الخاصة بالمرأة )في الميراث والشهادة والزواج والطلاق...)، من خلال مسار تطوري. فالمسلمون فهِمُوا النصوص القرآنية في سياقات ثقافية نسبية ومحددة، ثم إنَّ الله لا يتحدث إلى البشر في المطلق، بل من خلال أسئلتنا.


لذا، فإن هذه التشريعات، عندما تتحول إلى قوانين منفصلة عن وعي البشر المعنيِّين بها وعن واقعهم، تصبح مجرد مقولات تبريرية عاجزة عن تحقيق مقاصد الشريعة (العدل)، ويمكن أن تكون مصدر ظلم ومعاناة لمن يُضطرون إلى قبولها. 

لا يمكننا أن نَغفل عن أن التعدد هو واقع إنساني تعيشه النساء، خصوصًا عندما يُضطرَرْن إلى قبوله بسبب هشاشة وضعِهنَّ الاجتماعي والاقتصادي، ويعشنه بوصفه إهانةً لكرامتهن وتشْيِيئًا لإنسانيتهن. 

لذا، يجب علينا أن ننقل النقاش دومًا من الشريعة إلى الكرامة الإنسانية، ويكون فهمنا للحاكمية الإلهية بوصفها ضامنًا للكرامة البشرية.

إن القول بأن الشريعة الحقيقية هي شريعة متحركة، يعني ضرورة الانتقال من سؤال الانسجام الشكلي للشريعة، إلى سؤال انسجامها الأخلاقي. لعل الكثير من المسلمين قد لا يجدون حرجًا في الإقرار بالمصدر الإلهي للتعدد المطلق.


ولكن، عندما يتعلق الأمر بواقع قد يكون مصدر معاناة لهم، فهُم لا يقبلونه. كيف يمكن لتشريع إلهي أن يكون مصدر معاناة، والله مَصدر رحمة للعالمين؟ لذا، أسألُ من يرى أن التعدد المطلق أمر إلهي: "أترضاه لابنتك، أو لأختك، أو لأمك؟".

هكذا، يمكن تأكيد أن الزواج الأحادي هو الأصل في القرآن، وأن هذا الفهم متضمن في فكرة أن الإسلام أنصف المرأة وكرَّمها، وهو أمر واضح في النص القرآني الذي يؤكد أن التعدد مشروط بالعدل، وفي الوقت نفسه يؤكد استحالة هذا العدل بوجهَيْهِ المادي والعاطفي معًا. 

وأعتقد أنه -ولأسباب ثقافية- جرت إزاحة التفسير العادل من أجل تفسير غير عادل، وذلك مع أن التعدد قد يبقى مقبولًا في حالات استثنائية ذات طابع إنساني، حيث يجب اعتباره مجرد رخصة. 

من هذا المنطلق، فإن شخصيات دينية أكدت بشجاعة أنه من الخطأ اعتقاد أن الأصل في الزواج هو التعدد، ثم إنَّ الممارسة الفعلية للتعدد قد تكون مصدر ظلم، يقع على الزوجة الأولى وعلى الأطفال.


يمكن نقل النقاش إلى مواضيع مماثلة كثيرة أخرى، يُنتظر فيها من القيادات والمؤسسات الدينية أن تتحمل مسؤوليتها الحضارية عن تنوير مجتمعاتها وتثويرها، بدل أن تكون مجرد مؤسسات لحراسة التراث وتأبيده فقط، إذ يجب عليها تجاوز الدور الإصلاحي الضيق، لكي تكون جزءًا من الإصلاح اللاهوتي الكبير، وهو إصلاح يكون فيه الطريق إلى الله هو الطريق نحو الإنسان.

إلى روح  المفكرة المناضلة نوال السعداوي.