إميل أمين يكتب: "فرنسيس" والبابوية.. رؤية للأسلحة النووية

إميل أمين، كاتب مصري - العين الإخبارية

في مواجهة عودة صراع التسلح النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وروسيا الاتحادية من جهة أخرى.

وإعلان الصين نيتها بناء حائط صواريخ نووي مكون من عشرة آلاف صاروخ، وسعي بريطانيا لزيادة ترسانتها النووية بنسبة 40%، فيما دول عديدة حول العالم تسعى جاهدة لتطوير أدواتها النووية، لم يكن للبابوية التي تمثل قوة روحية حول العالم، لاسيما في زمن البابا فرنسيس، الرجل الذي يؤمن بالأخوة الإنسانية لا بالتناحر البشري، أن تقف صامتة، ومن غير أن ترفع صوتها عاليًا داعية للتعاون المتعدد الأطراف لنزع السلاح النووي.

عبر وسيلة التواصل الاجتماعي تويتر وفي مدونته البابوية "بونتيفكس"، التي تبث بتسع لغات حول العالم، كتب البابا يقول: "أشجع بقوة جميع الدول والأشخاص على العمل بحزم من أجل تعزيز الظروف الضرورية لعالم خال من الأسلحة النووية، والمساهمة في تعزيز السلام والتعاون المتعدد الأطراف، الذي تحتاجه البشرية اليوم بشدة".


هل كانت هذه هي المرة الأولى التي يتناول فيها فرنسيس الشأن النووي؟

في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 2019، وعشية زيارته إلى اليابان كان فرنسيس يبعث برسالته التقليدية المسجلة إلى كل بلد كان انتوى زيارته، وفيها أشار إلى أن "الأسلحة النووية غير أخلاقية، ويجب ألا يتكرر استخدامها في تاريخ البشرية".

كان الهدف الرئيسي الذي وضعه الحبر الروماني نصب عينيه هو "حماية كل حياة"، مضيفًا أن "هذه الغريزة القوية التي يتردد صداها في قلوبنا للدفاع عن قيمة وكرامة كل إنسان، تكتسب أهمية خاصة إزاء التهديدات ضد التعايش السلمي، والتي يتوجب على عالم اليوم أن يواجهها، وبشكل خاص في ظل النزاعات المسلحة.

في الرسالة عينها استشهد البابا بـ"ثقافة الحوار والأخوة"، وبشكل خاص بين التقاليد الدينية المختلفة، للمساعدة في تجاوز الانقسام، وتعزيز احترام كرامة الإنسان والسير قدمًا على طريق التنمية المتكاملة لجميع الشعوب. 

كانت نهاية رسالة فرنسيس تشجيعًا على سلك طريق الاحترام المتبادل، واللقاء الذي يؤدي إلى سلام دائم، والذي لا يعود إلى الوراء، ومبينًا أن السلام يمتلك هذه الصفة الرائعة، أنه عندما يكون حقيقيا لا ينهار، بل يدافع عنه بالأسنان، على حد تعبيره.

في هذا السياق يعن لنا أن نتساءل عن رؤية الكرسي الرسولي لإشكالية انتشار أسلحة الموت والفناء على الأرض، وكيف يتوجب التمييز بين استخدامات الطاقة النووية، ما هو صالح منها لمستقبل البشرية، وما يستخدم منها لفناء الإنسانية.

يتحتم علينا التوقف أمام تصريحات أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول، أي وزير خارجية الفاتيكان، المطران بول ريتشارد غالاغير، والتي أشار فيها أخيرًا إلى أن استخدام الطاقة النووية لأهداف حربية هو غير أخلاقي، وكما هو أيضًا "امتلاك الأسلحة النووية".

ولعله من المعروف والمؤكد أن البابوية في عهد فرنسيس لعبت دورا كبيرا ظاهرا، ومن وراء الستار في سبيل دفع دول العالم للتصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية التي دخلت حيز التنفيذ في الثاني والعشرين من كانون الثاني الماضي.

في هذا الإطار يرى المطران غالاغر، أنه حتى اعتماد معاهدة حظر الأسلحة النووية، لم تكن هناك أداة قانونية دولية تمنع بشكل واضح مثل هذه الأسلحة، ودخولها حيز التنفيذ "يسد هذه الفجوة"، بين الأنواع المختلفة لأسلحة الدمار الشامل.

هنا يوضح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول أن الهدف الرئيسي للمعاهدة هو حظر الأسلحة النووية بشكل قاطع، ووضعها في نفس فئة أسلحة الدمار الشامل الأخرى مثل الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المحظورة. 

وبهذا الشكل تضع المعاهدة الأسلحة النووية أيضًا ضمن تلك الأسلحة التي يجب مراقبة استخدامها وحيازتها باستمرار ونزع الشرعية عنها، وهذا أحد أسباب التزام الكرسي الرسولي من أجل دخول المعاهدة قيد التنفيذ ومشاركته الناشطة في عملية صياغتها. 

ولذلك يذكر العديد من أحكامها بشكل مباشر أو غير مباشر بمحورية الشخص البشري والنموذج الإنساني والروابط الوثيقة للمعاهدة مع السلام.

والثابت أن موقف البابوية منذ أن ظهرت الأسلحة النووية، وتم استخدامها في نهاية الحرب العالمية الثانية، جلي وواضح منذ زمن البابا بيوس الثاني عشر، البابا الذي عاصر أول استخدام للقنبلة الذرية في هيروشيما ونجازاكي، وصولا إلى فرنسيس الذي يشهد عالمه المعاصر صخبا وضجيجا نوويين لا يعلم إلا الله إلى أين يمكن أن ينتهيا.

حين تم إلقاء القنابل الذرية الأمريكية على المدن اليابانية، صرح البابا الروماني الكاثوليكي بيوس الثاني عشر، بأن تلك القنبلة هي السلاح الأفظع الذي ابتكره العقل البشري.

وفي ليلة عيد الميلاد، 25 كانون الأول من العام 1955، قدم البابا في الرسالة الإذاعية التي تم بثها في مختلف أنحاء العالم صورة عن القدرة التدميرية لهذا النوع من السلاح، الذي يولد الدمار ولا تنتج عنه صيحات النصر، إنما بكاء البشرية.

بعد تلك الرسالة بحوالي سبع سنين، كاد العالم ينجرف في طريق مواجهة نووية، في تشرين الأول 1962، وقتها كانت أزمة الصواريخ النووية الروسية في كوبا محتدمة، وساعتها أطلق البابا الكبير في السن، يوحنا الثالث والعشرون، نداء في محاولة لإبعاد شبح الحرب، وتحدث عن وجود ضباب في الأفق يزرع الخوف وسط ملايين العائلات.

البابا يوحنا الثالث والعشرون أكد على أن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لا تريد سوى السلام والأخوة بين البشر، وتعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف، وأضاف: "إننا نتوسل إلى الحكام كي لا يصموا آذانهم أمام صراخ البشرية".

كانت الأزمة النووية في أوائل الستينيات دافعا رئيسيا لأن يكتب البابا العجوز واحدة من أهم الرسالات البابوية التي ميزت البابوية في النصف الثاني من القرن العشرين، وطبعت بسماتها حاضرة الفاتيكان حتى اليوم، رسالة "السلام في العالم"، والتي دعا فيها إلى وقف سباق التسلح والعمل على إزالة كل الترسانات النووية.

وفي الثمانينيات لفت البابا يوحنا بولس الثاني إلى حجم الدمار والموت اللذين يمكن أن ينتجا عن الأسلحة النووية، معتبرا أن مستقبل البشرية على هذا الكوكب مهدد بفعل الأسلحة النووية، وأن الخليقة في حاجة إلى يقظة وتعبئة عامة من ذوي الإرادة الصالحة.

هل من سيستمع إلى نداء فرنسيس الأخير؟ الأخوة الإنسانية تولد الثقة، وهي الطريق وهي الحل للقفز فوق التهديدات العالمية النووية.