معنى التفسير القيمي للقرآن

د. رضوان السيد - الاتحاد الإماراتية

بدعوةٍ من «جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية»، ألقيتُ محاضرةً عن بُعد عنوانها: القيم الكبرى في القرآن الكريم. وبالطبع فإنّ العناية بالشأن القيمي والأخلاقي في القرآن ليس مبحثاً جديداً، بل له سوابق في أدبيات التفسير القرآني في العقود الماضية.

إنّ أول من جرّب المقاربة الأخلاقية للقرآن في الأزمنة الحديثة كان الشيخ محمد عبد الله دراز في أُطروحته للدكتوراه بجامعة السوربون أواخر الأربعينيات من القرن الماضي بعنوان: «دستور الأخلاق في القرآن». 

وقد اشتهرت الأُطروحة بعد ترجمتها إلى العربية أواخر الخمسينيات من القرن. وطوال الستينيات من القرن الماضي اشتغل الباحث والمستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو على المفاهيم الأخلاقية في القرآن، وصار أشهر بحوثه بعنوان: القرآن والإنسان.

لماذا تأخر ظهور التفسير الأخلاقي للقرآن حتى في الأزمنة الحديثة؟ ربما حدث ذلك بسبب التفرقة بين الأحكام والفضائل الأخلاقية. فقضايا الأمر والنهي لأسبابٍ تعبديةٍ كانت هي الحَرية بالبحث. 

أما القضايا القيمية والتي يشيد بها القرآن فهي اختياريةٌ وليست فرائض بالمعنى الأول. وهذا إلى أنّ قضية:(فاستبقوا الخيرات)، التي دعا القرآن المؤمنين إليها صارت قضيةً واقعة، إذ نهضت وتنافست عدة نظمٍ أخلاقية وقيمية ذات أصول دينية أوغير دينية، فكان لا بد أن يخوض الباحثون المسلمون في مبحث القيم أو منابعها الدينية، وبالطبع بدءًا بالقرآن الكريم.


لقد استندتُ في محاضرتي بجامعة محمد بن زايد إلى مقاربتَي «دراز وإيزوتسو»، لكنني تأثرتُ أيضاً ببحوث أخلاقيات الدين، وبخاصةٍ ما طرحه أو نبه إليه كلٌّ من «هانز كينج» في عالمية الأخلاق الدينية، و«تشارلز تايلور» عن التبادلية والتشابك بين الأخلاق الدينية والأُخرى العلمانية.

استظهرتُ حضوراً قوياً في القرآن لستّ قيمٍ كبرى هي: المساواة، والكرامة، والرحمة، والتعارف، والعدل، والخير العام. وأصل المساواة أو قيمتها تظهر في وحدة الخَلْق للخالق الواحد، وما يترتب على ذلك من وحدة الإنسانية ووحدة العقول، ووحدة المصائر. 

وإذا كان القرآن ينصّ على وحدة الخلق، فهو ينص أيضاً على الكرامة باعتبارها تساوياً في القيمة الإنسانية أو في الاستحقاق: (ولقد كرْمنا بني آدم...) وذراعا قيمة الكرامة البارزان: العقل والحرية، باعتبار أنّ الكرامة صارت كذلك بهما.

وبعد المساواة والكرامة تأتي القيمة الكبرى قيمة الرحمة. وهي اسمٌ من أسماء الله، وصفة له عز وجل. إذ هي مناط العلائق بين الله وعباده، ليصبح التراحُمُ دائرةً للتضامُن بين الناس، ولتكون الرحمة مقولةً كونيةً بين الله وعباده، وبين العباد في علاقة بعضهم ببعض. 

وفي ارتباطٍ مع الرحمة تأتي قيمة التعارف التي يعتبرها القرآن فلسفة العلاقة بين البشر بعضهم ببعض: (... وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). فالتعارف هو الاعتراف المتبادل من أجل العيش معاً. لكنه مختلفٌ عن التسامح في أنّ هذا الاعتراف يقوم على المعرفة الحقة المُفضية إلى التفاهم الحقيقي.

وقد كان التأخير لقيمة العدل مقصوداً لأنه يتأسس بالفعل على القيم الأربع السابقة: المساواة والكرامة والرحمة والتعارف. فعندما تتسدّد الرؤية بهذه القيم، يصبح العدل جزءاً من كل منها، فضلاً عن استقلاليته والاستقامة التي يقتضيها مبدئياً وسلوكياً.

وفي الخاتمة فإنّ قيمة الخير العام الأكثر وروداً في القرآن وتأتي بعدها قيمة المعروف القريبة منها في المعنى، تلك القيمة التي تحتضن القيم الأُخرى وتعطيها أبعادها العميقة.

إنّ المبحث القيمي في القرآن مبحثٌ غنيٌّ بالأصول والاشتقاقات ومحاسن الأخلاق والسِمات. وتقول الباحثة أنجليكا نويفرت إنّ القرآن الكريم هو كتابٌ للأخلاق الفاضلة. ويستحق تفسيراً تكون الرحمة عنواناً له.