البطريرك ساكو: خلاصنا في وحدتنا وتماسكنا.. الأحزاب المسيحية ومسؤولية الإنقسامات

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

عاش المسيحيون خصوصًا بعد زوالِ النظام عام 2003، أوضاعًا صعبة من المافيات المنظمة والمنفلتة، التي ارتكبت عمليات ذبح وخطف.

وعملت على تهديدهم وتخويفهم للاستحواذ على بيوتِهم وممتلكاتِهم، إلى جانب دور منظمات ارهابية كالقاعدة وداعش، فهجرتهم ودفعتهم للجوء الى الغرب. ومن تبقى منهم لا يزال يتعرض لمضايقات متنوعة. فنحن أمام وضعٍ صعبٍ مليء بالتحدّيات.


من هنا سؤالي الى اين نحن ماضون؟

أول التحدّيات يتمثل بالسؤال: هل نعمل على وحدَّتِنا وهي السبيل للحصول على حقوقنا القومية والمدنية وكرامة وطنيّتنا بالتساوي، ام تستمر احزابنا القومية في الانقسام والتشتت بسبب تعصبها وتنافسها على المصالح الفئوية والشخصية عبر الحصول على المناصب والمال ان كان في المركز أو الاقليم، مِمَّا يُشكِّل عائقا امام ايجاد مساحات التقارب والتوصل الى التفاهم المتبادل!

ثمة حاجة ملحّة إلى وثبة ضميرية، من الناشطين الغيورين والنزيهين في إحزابنا القومية، مدعومة بقناعة وطنية من شعبنا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أذكر أن عدد المرشحين الحاليين للانتخابات المقبلة هو 34 وهذا دليل التحزب والتشتت (ليس صحيحا انني وراء ترشيح أشخاص  من الرابطة أو غيرها، الخبر علمته من  النائب السابق عماد يوخنا، اني لن اتدخل في الترشيحات).


أليست هذه حالة مؤلمة ومحزنة؟ الكوتا هي خمسة مقاعد كان الاجدر بالاحزاب ان تبذل الجهود للجلوس معا والاتفاق على قائمة واحدة من خمسة اشخاص تمثل الكوتا ممن لهم الاقتدار على العمل السياسي ومعرفة الواقع العراقي في المركز والاقليم، والتعاون مع البرلمانيين الاخرين في تحقيق الاهداف الشرعية النبيلة للعملية السياسية. وهذا كان يغلق الطريق امام التدخلات الخارجية.

من المحزن ان بعض هذه الاحزاب تحول الى لون واحد، والى خلية تعصُّب، والتحريض على الغاء الاخر وتسقيطه مٍمَّا اوصل الى ردات فعل عنيفة، بينما المفروض ان هدفها رسالة وطنية وانسانية مشتركة!

هذا الوضع المؤلم لن يتغير الا بوعي الجميع لمسؤولياتهم والخروج من التعصب والتشنج القومي للحوار والتواصل والمشاركة واحتضان التنوع ضمن العمل المشترك الواعي، والا سيسير المكون نحو الاسوا ، خصوصا انه يعاني حاليّاً من الظلم والتهميش والفقر والهجرة .


ممارسة ممثلينا المسؤولية والتعامل باحترام مع الاخرين على أساس التسامح والتنوع سينجح وحدة المكون وتماسكه.

اني مقتنع جداً ان الغالبية هي مع الخط الوحدوي الايجابي وتماسكه،  وليست مع القلة التي تبحث عن المصالح الحزبية والفئوية والشخصية.

لنتوقف قليلا عند زيارة البابا فرنسيس الى العراق ولنتأمل بالرسائل التي وجهها والرجاء الذي زرعه في قلوب العراقيين خصوصا من خلال دعوته المتكررة اننا اخوة والتي تجلت في رسالته الشاملة الاخيرة “كلنا اخوة”..

آمل ان يعي المسيحيون هذه الدعوة لاسيما أن القواسم المشتركة بينهم كثيرة والاختلافات محدودة، ويعيشوا المحبة التي تحمل معنى الحياة والبقاء، فيكونون مثالا صالحا لمواطنيهم.


أعجبت بلقاء اربيل الذي نظمته جامعة كوردستان في 19 من الشهر الحالي حول الوحدة والدستور. كيف أن الأحزاب الكوردية قيّمت الوضع العام في الإقليم ومستقبله بكل حرية وبطريقة حضارية بعيدًا عن التشنج والتجريح والتخوين. متحدون حول القضية الكبرى مستقبل الإقليم، لكنهم مختلفون في الآلية والتنفيذ.. وهذا أمر طبيعي. 

وجاء كلام رئيس الإقليم السيد نيجرفان البارزاني مطمئنًا عندما صرح قائلا: "نحن مختلفون، لكننا نتحاور، ولن نلجأ أبدًا إلى حرب أهلية".

البطريركية مستعدة لتنظيم ورعاية كذا لقاء للاحزاب القومية والفعاليات المدنية وللتواصل والحوار لئلا يبقى المسيحيون مشتتين، مع الترحيب باية كنيسة او جهة حزبية او مدنية تقوم بهذه المبادرة لخير المسيحيين. نحن ككنيسة كلدانية مستعدّون للاسهام والمشاركة من دون اية نية للحلول محل الاحزاب السياسية.


قد يبادر البعض بالسؤال:  لماذا لا تعالجون وحدة كنائسنا؟

الجواب أن كنائسنا قديمة، عكس الاحزاب التي هي ظاهرة جديدة نسبيًا. لكنائسنا تواتر رسولي وتاريخ عريق ورئاسات منتخبة قانونيًا، وتراث ثري وفكر لاهوتي وليتورجي واداري خاص ولغة.

هذه الوحدة تحتاج إلى لجان ودراسة ووقت وصبر وايمان وصلاة. وليسمح لي بالقول إنّ العمل على توحيد صفوف شعبنا، سواء بمبادرة أي من كنائسنا او أحزابنا، ينسجم مع مسيرتنا نحو وحدة كنائسنا.

لا يبقى سوى الرجاء