الكنيسة الكاثوليكيّة والمسلمون.. الحالة الراهنة والتطلّعات

المونسنيور د. خالد عكشة

فيما يلي المداخلة التي قدّمها المونسنيور د. خالد عكشة في لقاء افتراضي نظّمته اللّجنة الثّقافيّة في المجلس المذهبيّ لطائفة الموحّدين الدّروز، بالتّعاون مع الفريق العربيّ للحوار الإسلاميّ المسيحيّ، تحت عنوان: "الحوار الإسلاميّ المسيحيّ: الرؤية، التجارب، التّحدّيات"، الجمعة 28 أيار 2021.

 

يتردّد المرء أحيانًا، لسببٍ أو أكثر، عن قبول دعوةٍ للمشاركة في مؤتمرٍ أو لإلقاء محاضرة. 

ولكن هذا لم يحدث، عندما عرض عليّ الشيخ د. سامي أبو المُنى، أن أكون أحد المشاركين في هذا الّلقاء، بسبب صداقةٍ تربطنا منذ سنين طوال، وكذلك لرغبتي في لقاء أصدقاء آخرين، شاءت العناية الالهيّة أن يكونوا متحدّثين هم أيضًا: القاضي عبّاس الحلبي، الدكتور محمّد السمّاك -الّذي أدعو له بالشّفاء العاجل- والسيّد دكتور جواد الخوئي. أحيّيكم جميعًاّ، متحدّثين ومشاركين، في لقائنا الخيّر هذا.

أرى من الضروري أن أبدأ بتوضيحٍ عن الكنيسة الكاثوليكيّة. فهناك الكنيسةُ المركزيّة، المسؤولة عن إدارة الكنائس المحلّية المنتشرة في كلّ بقاع العالم، ويرأسها الحبر الأعظم، الّذي هو معاون السيّد المسيح على الأرض وخليفة القدّيس بطرس، هامة الرّسل. 


ومن أهمّ تجليّات الرّئاسة البطرسيّة تعيين الأساقفة في كلّ أبرشيّات العالم.

أمّا الكنائس المحليّة، فهي، كما ذكرت، تلك المنتشرة في العالم بأسره وتضمّ مؤمنين من مختلف الأعراق والشعوب والدّيانات والثّقافات. ويعيش أفراد هذه الكنائس في دولٍ ومجتمعاتٍ هي أيضًا متعدّدة عرقيًا ودينيًا وثقافيًا. 

والمسلمون هم كذلك من أعراقٍ وشعوبٍ وثقافاتٍ متعدّدة، ونستطيع القول بأنّه ما من بلدٍ يخلو من المسلمين، الذين يكوّنون، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيّين، إمّا أكثريّةً أو أقليّة عدديّة، أهل بلادٍ أصليّين أو وافدين أو لاجئين.

عنوان هذه المداخلة هو "الكنيسة الكاثوليكيّة والمسلمون: الحالة الرّاهنة والتطلّعات". وكان اختيار مصطلح "الحالة الرّاهنة" عن قصد، ليذكّرنا بإعلان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني عن علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة بالدّيانات الأخرى (28 تشرين الأول/أكتوبر 1965)، وعنوانه باللاتينيّة Nostra aetate، وترجمته "حالتنا الرّاهنة".


علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة المركزيّة –الكرسيّ الرسوليّ– بالمسلمين جيّدة ويشهد على هذا، ضمن أمورٍ أخرى، زيارة البابا فرنسيس لدولٍ عربيّةٍ، وأخرى غير عربيّةٍ ذات غالبيةٍ سكانيّة مسلمة: الأردنّ وفلسطين (24-26 أيّار/مايو 2013)، ألبانيا (21 أيلول/سبتمبر 2014)، تركيا (28-30 تشرين الثّاني/نوفمبر 2014)، أذربيجان (2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2016)، مصر (28-29 نيسان/ابريل 2017)، الإمارات العربيّة المتّحدة (3-5 شباط/فبراير 2019)، المغرب (30-31 آذار/مارس 2019)، العراق (5-8 آذار/مارس 2021).

وتكتسي الزيارات البابويّة إلى مصر والمغرب والإمارات العربيّة المتّحدة والعراق أهمّيًة خاصًّة، وذلك لمشاركته في مؤتمر الأزهر عن السّلام في القاهرة؛ وتوقيعه وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في أبو ظبي على وثيقة الأخوّة الإنسانيّة؛ وتوقيعه والملك محمّد السّادس، بصفته رئيس لجنة القدس في منظّمة التّعاون الإسلاميّ، على "نداء القدس"، الرّامي الى الحفاظ على المدينة "تراثًا مشتركًا" للدّيانات التوحيديّة الثلاث. 

أمّا زيارة العراق، فمن أهمّ محطّاتها لقاء الحبر الأعظم للمرجِع الشيعيّ الأعلى، آية الله العظمى عليّ السيستاني؛ ويستحقّ الذّكر كذلك اللّقاء الرّوحيّ الّذي جرى في أور، مدينة إبراهيم أبي المؤمنين.


ويقيم الكرسيّ الرسوليّ علاقاتٍ دبلوماسيًّة مع غالبيّة دول منظّمة التّعاون الإسلاميّ التي تعدادها 57 دولة.

والدّائرة الفاتيكانيّة التي تُعنى بالعلاقات الدينيّة مع مؤمني الأديان الأخرى -عدا اليهود- هي المجلس البابويّ للحوار بين الأديان. ويمتاز الإسلام في هذا المجلس عن بقيّة الدّيانات بوجود "لجنة العلاقات الدينيّة مع المسلمين"، ويعود هذا الى الروابط الروحيّة الخاصّة القائمة بين المسيحيّين وأخوتهم المسلمين. 

ولهذه الدّائرة علاقاتٌ وطيدةّ مع منظّماتٍ ومؤسّساتٍ دينيّةٍ إسلاميّة منها الأزهر والرابطةُ المحمّديّة للعلماء (المغرب) والمعهد الملكيّ للدّراسات الدينيّة (الأردنّ) ورابطة العالم الإسلاميّ (المملكة العربيّة السعوديّة) ورابطة الثّقافة والعلاقات الإسلاميّة (إيران). 

وهناك كذلك المنتدى الكاثوليكيّ الاسلاميّ، الذي تمّ تأسيسه من قِبل المجلس، عن الجانب الكاثوليكيّ، والموقّعين على الرّسالة الموجّهة للبابا بندكتس، عن الجانب الاسلاميّ.


كما أودّ الإشارة إلى أنَّ لدى المجالس الأسقفيّة في مختلف البلدان لجانٌ تعنى بالحوار بين الأديان وتعمل على تعزيز العلاقات بين الكاثوليك والمسلمين في تلك البقعة من العالم. 

ومن أهمّ مبادراتها تبادل الزّيارات في الأعياد الدينيّة، وعقد ندواتٍ وورش عملٍ لمعرفة الإسلام وأتباعه الموجودين في ذلك البلد والتّواصل معهم.

أمّا عن العلاقة بين المسلمين والكاثوليك على مستوى الكنائس المحليّة، فمن البديهيّ أنّها تختلف من بلدٍ لآخر وتخضع لتغيّراتٍ مستمرّةٍ لأسبابٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّة. 


وهناك عامل الأكثرية والأقليّة العدديّة، ووضع الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة الّتي تؤثّر على العلاقات بين أتباع الأديان والطوائف. 

ويرتبط بكلّ ما سبق الجهد المبذول من الجانب الاسلاميّ الرّامي إلى تجديد الخطاب الدينيّ، وهو ما تناوله وليّ العهد السعوديّ في مقابلته الأخيرة، وكذلك شيخ الأزهر. 

وهناك أيضًا تطوّراتٌ إيجابيّةٌ في الإمارات العربيّة المتّحدة وفي السّودان، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. كما أنّ إعلان مرّاكش ووثيقة مكّة وحلف الفضول الجديد، بجهدٍ مِن العلاّمة عبد الله بن بية، وغيرها من المبادرات، أسهمت في تحسين العلاقات بين أتباع الدّيانتين.


لكن هناك، من جانبٍ آخر، تصاعد الغلوّ في الدِّين والتشدّد والعنف المرتَكب باسم الدّين في أمكنة عديدة، وبخاصّة في دول الساحل الأفريقيّ وبعض دول جنوب آسيا. 

كما أنّ خطاب الكراهية، وما يتبعه من ازدراء للمختلِف دينًا والتّضييق عليه ومحاولة تهميشه أو اضطهاده، ينعكس على حياة الجماعات الدينيّة والمجتمع بأسره.


أمّا عن التطلّعات في مجال العلاقة بين المسيحيّين، وبخاصّة الكاثوليك منهم، والمسلمين، فهي كثيرة، أذكر منها:

أن ننظر بعضنا الى بعضٍ باحترامٍ وتقديرٍ ومودّة، وأن نربّي أولادنا على السّلوك عينه؛ أن نعي دومًا المشتركات الإنسانيّة والدّينية والقيميّة، وهي كثيرة وتتجاوز ما نختلف فيه، دون إغفال هذه الاختلافات؛ أن نتكلّم عن اختلافاتنا الدّينية والثقافيّة بموضوعيّة واحترام، معترفين بالحقّ في الاختلاف المشروع في الدّين والثّقافة والفكر؛ أن نواكب، كمؤمنين ومواطنين، التّغيرات العميقة والسّريعة التي يشهدها عالمنا، وبخاصةٍ فئة الشّباب، لنستطيع أن نعيش كلّ جديدٍ في نور الإيمان.


أن نستنير في حياتنا بهدي الإيمان وبنور العقل؛ أن يصالح حوارنا ومجمل علاقاتنا الحقيقة مع المحبّة؛ أن تسير مجتمعاتنا نحو علاقةٍ سليمةٍ بين الدّين والدّولة، ما يمنع التّوظيف السّياسي للدّين والتوظيف الدينيّ للسّياسة؛ أن نقدّم الصّالح العامّ على المصلحة الشّخصيّة؛ أن نحارب آفةَ الفساد فينا وفي مجتمعاتنا؛ أن نتخلّى عن العنف في كافّة أشكاله، سواء كان نفسيًا أو لفظيًا أو جسديًا؛ أن نعيش كلّ يومٍ من أيّام حياتنا كأخوةٍ أصدقاء، ونلاقي وجه ربّنا دون رهبة وبطمأنينة.

طالت أعماركم وطاب مساؤكم!