القضية الفلسطينية وبناء الضمير الأخلاقي العالمي

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

كشَف العدوانُ الإسرائيلي الأخير على حقوق المَقدسيِّين وأهالي غزة، عن حجم المأساة التي صنعها تواطؤ القوى الكبرى منذ أكثر من قرن؛ إذ لا يقتصر مجالها على الأراضي الفلسطينية، بل شكلت -ولا تزال- مصدر توتُّر وعنف في المنطقة كلها، ولا تزال تُنذر بمَآسٍ أخرى.

ومما يحزُّ في القلب -في سياق تنامي سياسات التطبيع- أن نرى بروز خطابات تُشكِّك في مشروعية القضية الفلسطينية، أو نرى تحوُّل هذه القضية إلى مجرد سردية تاريخية هامشية، بعد تراجع أهميتها، وفقدانها القدرة على صنع التعاطف على المستوى الكوني. 

تُشكل مثل هذه الخطابات مغالطة عميقة، لأن القضية الفلسطينية -منذ النكبة- لم تكن مجرد قضية سياسية عادية، بل شكلت -ولا تزال- امتحانًا حقيقيًّا أمام الضمير العالمي، يُجلِّي قدرته على بناء أخلاقيات، تَمنح عالَمًا يَصِف نفسه بالمتمدن والمتحضر معنًى حقيقيًّا.

لم تكن هذه القضية يومًا ما مسألة صراع ديني، بل قضية إنسانية كونية، رغم السعي لإضفاء الطابع الديني والمقدس على الصراع. ليس الصراع صراعًا دينيًّا بين اليهودية والإسلام، بل بين آلة الظلم والإنسان المقهور. 

لذا، فإنَّ أسْلَمة الصراع أو تهويده يعني منحه بُعدًا دينيًّا يضعه خارج سياق الإنسانية. ولِكَون مأساة الفلسطينيين هي قضية كلِّ الإنسانية، وجريمة أخلاقية في حق البشرية كلها، فإنه من المهم التركيز على أن مأساة الفلسطينيين استطاعت أن تصنع شكلًا إنسانيًّا راقيًا من التوافق الأخلاقي، بل وأخلاقًا عالمية تُشكِّل الشرط الأساسي للإنسانية، لكي لا تتحول إلى مجرد أفراد أو جماعات متراكمة، متنافرة ومتناحرة.


انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية، عبَّر العشرات من  المثقفين -أكثرُهُم من أصول  يهودية- عن  انحيازهم الصريح إلى الحقِّ الفلسطيني. 

يمكن أن نَذكر "حنَّة أرندت" التي قامت بنقد جذري للسياسات الصهيونية، و"جاك دريدا" الذي انتقد الانسحاب الأخلاقي الدولي أمام مأساة الفلسطينيين و"غياب حكومة عالمية عادلة"، و"جيل دولوز" الذي ندَّد باللاإنسانية الجذرية للمشروع الصهيوني الذي قام بتهجير الفلسطينيين من وطنهم وبتحويلهم إلى لاجئين، و"ألان باديو" الذي انتقد بشدة تشبيه الجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني بالجرائم الني تَعرَّض لها اليهود على يد النظام النازي، و"نعوم تشومسكي" الذي فضح الأساطير الإسرائيلية حول الأرض الموعودة، وحذَّر من أن مأساة الفلسطينيين سيكون لها تأثير مدمر على الصعيد العالمي، ودون أن ننسى "مايكل نيومان" الذي دافع في كتابه ''قضية ضد إسرائيل'' عن الحق التاريخي للشعب الفلسطيني، وفضَح الاستعمال الإيديولوجي لمقولة "معاداة الساميَّة"، وأخيرًا الحاخام اليهودي "آرون تيتلبوم" الذي رفض الاعتراف بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، لاعتباره أن: "القدس مدينة مقدَّسة ومدينةُ تَقْوَى، والصهيونية لا صلة لها بالقدس".

لا يمكن أن ننسى أيضًا المواقف المشرِّفة للفاتيكان تجاه القضية الفلسطينية، مثل: رفضه "وعد بلفور" وتهجير اليهود إلى فلسطين، وأيضًا اعترافه بالوضع الخاص للقدس بصفتها مدينة لكل الأديان. 

وقد سعدتُ كثيرا برسائل أصدقائي المسيحيين الذين عبَّروا عن رفضهم للعدوان الإسرائيلي، وبالموقف المشرف والعادل للكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة. 

لهذا، فالأديان ليست هي التي صنعَت القضية الفلسطينية، بل إن القضية الفلسطينية هي التي سمحت للأديان -خصوصًا الأديان التوحيدية الثلاثة منها-، بأنْ تعي أن أساسها اللاهوتي رهين بقدرتها وشجاعتها في الاعتراف بحق المستضعفين -مهْما كانت عقائدهم-.

يستدعي هذا الالتزامُ الأخلاقي العالمي للقضية الفلسطينية، تفكيكًا مستمرًّا للأساطير والقراءات الدينية التي تُبرر القتل والتهجير، مثل فكرة انحياز الله إلى شعبه المختار، أو اعتبار مؤمني الأديان الأخرى مجرد "أغيار" سخَّرهم الرب لخدمة شعبه، أو بناء الكيان الإسرائيلي على مبدأ "الحق الإلهي"، أو فكرة العودة لأورشليم ولأرض الميعاد من أجل استقطاب يهود العالم. لا شك أن مثل هذه التأويلات الهادمة لمفهوم الإنسانية، تتربص بكل الأديان بدون استثناء.

أيضًا يجب رفض أطروحة الجماعات الدينية التي تؤْمن بوجود خطة إلهية، مُفادها أن العودة الثانية للمسيح المخلِّص وبداية حكمه الألفي، رهينتان بعودة اليهود واجتماعهم في أرض الميعاد وتأسيسهم لكيان صهيوني؛ إذ لا يمكن تبرير سياسات عنصرية بانتظارات دينية أخروية أو غائية -مهْما كان مصدرها-. 

أعتقد أن التزام قيمتَي الحب والعدل داخِلَنا وتجاه من حولنا، هو الشرط الوحيد لكي يأتي ملكوت الرب، ويتحقق وعده بالاستخلاف. فبالحب والعدل وحْدَهما، يتحرر الإنسان والعالم من العنف والنرجسيات القاتلة. 

لهذا أقول: إن القضية الفلسطينية هي الهيكل الحقيقي الذي تتجلى فيه معجزة الرب، وترتقي فيه الأنفس التوَّاقة إلى العدل، لأن العهد الحقيقي -بالنسبة إلى الأديان الثلاثة- هو مسؤوليةٌ أخلاقية، لا امتياز إلهي.. والله أعلم