من "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

يُعتبر السؤال حول دور المؤسسات التربوية في بناء مشروع دولة المواطَنة، إشكاليةً حقيقية في أغلب الدول العربية ذات الأغلبية المسلمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتربية الدينية، وقدرتها على المساهمة في سياسات الاعتراف والتعددية، في زمن تَنامي الوعي بالهُوية والحقوق الكونية، مثل حرية التعبير والمعتقَد والضمير.

 لهذا، يَحضر الوعي في كل هذه الدول، بضرورة الانخراط في إصلاح عميق لمناهج تدريس مادة التربية الإسلامية.

في هذا السياق، جرى في المغرب تَداوُل مشروع إصلاح جذري لطرق تدريس الإسلام، من خلال فكرة تغيير اسم مقرَّرات "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"؛ ما خلَق -ولا يزال- نقاشًا مجتمعيًّا واسعًا، بغضِّ النظر عن الاستعمال الإيديولوجي لهذا الإصلاح في سياق التنازع السياسي. 

يمكن القول: إن الوظيفة التقليدية لبرامج التربية الإسلامية، هي صناعة أفراد يشكلون جماعة المسلمين السُّنَّة، دونما استحضار الأسئلة التي تطرحها العلاقة بين جماعة المؤمنين وجماعة المواطنين التي هي أكثر شمولًا. 


عمومًا، يعتقد أغلب المغاربة برأيي أن المُواطن المَغربي مسلم سُنِّيٌّ بالضرورة، وأنه لا يحق له أن يعبِّر عن اختلافه مع هذه العقيدة الجَمعيَّة في الفضاء العام؛ ما يَخلق وهْمَ التطابق بين جماعة المسلمين السُّنَّة وجماعة المواطنين.

أعتقِد أن الكثير من المضامين الإسلامية التي يجري تلقينها، قد تكون حاملة لإمكانية تأويل عنيف، مثل فكرة الجهاد ضد الكفار والمارقين والزنادقة. 

وقد تتناقض مع كونية منظومة حقوق الإنسان، أو حتى مع فكرة المواطَنة (مثل فكرة "الولاء والبراء")، إذ كيف أَكْره أو أبغض شخصًا بسبب عقيدته، ثم أعتبِره شريكًا لي في المواطنة؟


قد يساهم تلقين مشابه في خلق برمجة ذهنية ذات بُعد أحادي، يميل نحو الانغلاق الفكري؛ ما يفسِّر تراجُع الفكر النقدي عند المتعلمين/ات، وتَنامي ذهنية التحريم والتبديع وسيادة التفكير التبسيطي، لا سيَّما في الأُطُر التربوية التي تُردِّد مقولة "الإسلام هو الحل"، متناسيةً أن الشريعة أو الفِقْه أحْرَى بأن يكون صناعة بشرية. 

ثم إنَّ المجتمع المَغربي غدَا أكثر قابليةً للفكر السلفي، الذي يتميز بالعَوَز الفكري والانتكاس نحو أسطورة العصر الذهبي، ورفْض قيم الحريات الأساسية. 

لا يمكن أن نُغْفل أن فكرة التكفير غدت أكثر ترسُّخًا، ومجالَها أكثر اتساعًا؛ إذ الكافر هو المسيحي أو اليهودي أو الشِّيعي أو البهائي أو الصوفي غير السُّنِّي...


وعْيًا بهذه المخاطر، جاء القرار الملكي بمراجعة مقرَّرات "التربية الدينية". 

وانطلاقًا من مقولة "الإسلام المعتدل"، استُبدلَت سورة "الفَتْح" المتضمنة لآيات الجهاد، الواردة في مقرَّرات مادة "التربية الإسلامية" في التعليم الإعدادي الثانوي، بسورة "الحَشْر" المتضمنة لآيات التزكية والحكمة؛ وأيضًا بِناءً على فكرة مهمة وهي أن قيم التوحيد تَسمح للمتعلم(ة) انطلاقًا من وحدانية الخالق ووحدة النفس البشرية وكرامتها، بالدخول في أخلاق الاعتراف والتعايش. 

كذلك دعا مؤتمرُ مراكش وإعلانه حول حقوق الأقليات المؤسساتِ الدينيةَ إلى الاشتغال على المناهج الدراسية، من أجل بناء "المواطَنة التعاقدية".


 لكن هذه الإصلاحات تبقى جزئية، في انتظار عملية إصلاح معرفي حقيقي يبدأ بفكرة الحياد الديني لبرامج التربية الإسلامية، من خلال تربية دينية قادرة على إدماج الانتماءات الدينية أو اللادينية، داخل تصوُّر إسلامي يسمح لكل مكونات المجتمع بالتماهي مع المبادئ الكبرى للحياة الأخلاقية. 

من هنا، برزَت الحاجة إلى قراءة مَقاصدية تَنقل المتعلمين/ات من إسلام الفقهاء والمفسرين والمحدِّثين إلى إسلام الكليات الأخلاقية العامة، مثل: الكرامة، والمساواة، والعدالة.

لذا، أعتقد أنه يجب إلغاء مقولة الكفر من مقررات التربية الإسلامية. فمِن حق أي مُواطن(ة) أن يرفض أن يُلقَّن ابنه في المستوَيَيْن الابتدائي والثانوي أو حتى الجامعي، مضامينَ يَعتبرها مصدر تحريض على الكراهية. 


فكيف يمكن أن تَدرس حديث "الفِرقة الناجية"، دون إحداث تشوُّه على مستوى البناء الفكري للمتعلم(ة)؟ أيضًا يمكن إدراج الأديان الأخرى في برامج التربية الدينية، لخَلْق الوعي بقيمتها الدينية الروحية، وتدريسها بحسب رؤية هذه الأديان لنفسها، وليس كما يتصورها الإسلام التقليدي، باعتبار أنها مجرَّد عقائد مزيَّفة ومنسوخة؛ ما سيسمح بنقل المتعلم(ة) من سياق متمركز حول الذات الدينية والصراط المستقيم، إلى سياق متمركز حول الإنسان ومختلف الصُّرُط المستقيمة.

يُفترض في الدور التربوي للإسلام، أن يكُون موضوعَ تعاقُد اجتماعي يتجاوز المؤسسات الدينية. 

وأيضًا يجب الدفاع عن فكرة كون المَدرسة فضاءً عامًّا تَحكمه أخلاق التواصلية والنقاش العام، المبنيَّة على مبدأ أنَّ كل الأفكار الدينية قابلة للتداول والدحض على أساس سلطة العقل العمومي، بدل استمرار طُرق الحفظ والاستظهار.


لذا، أعتقد أن التربية الدينية يجب ألَّا تروم صناعة المسلم(ة) السُّنِّي ذي العقائد المطلقة، لأن ذلك جزء من المجال الخاص، بل يجب -كما يقول كانط- بِناء "مُواطن العالم"، وبناء أخلاق الاعتراف، ونسبية المَعارف، والحقِّ في الاختلاف؛ لكي لا يكون الدين مجرد قلعة نحتمي داخلها، بل أرضًا للأخوَّة في الإنسانية.