الرئيس في إيران "واجهة للنظام"

فرانس24: بهار ماكوي / أعده للعربية: علاوة مزياني

يتوجه الإيرانيون في 18 يونيو/حزيران إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد لهم خلفا لحسن روحاني. 

لكن أمام هيمنة شخصية المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، والحرس الثوري على دواليب السلطة، يبدو دور رئيس الجمهورية الإسلامية أشبه برئيس حكومة وأقرب من صلاحياته.

"لقد شاركت في كل الانتخابات، لكن هذه المرة قررت الامتناع عن التصويت". 

شاهين* (24 عاما) تقطن في العاصمة الإيرانية طهران، وأعربت لفرانس24 عن مرارتها واستياءها قائلة: "ازدادت خيبة أملي على مر الرؤساء، والوضع الاقتصادي للبلاد يسوء أكثر فأكثر" فتساءلت: "لماذا أتوجه لصندوق الاقتراع وأنا على قناعة بأن الرئيس المنتخب لن يغير شيئا؟"



على غرار شاهين، يعتزم العديد من الإيرانيين المستائين من ولايتي الرئيس حسن روحاني مقاطعة الانتخابات المقرر إجراؤها في 18 يونيو/حزيران. 

وقد كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي جرت في فبراير/شباط 2020، قد سجلت نسبة امتناع كبير قدرت بأكثر من 57 بالمئة.


لماذا يدير الإيرانيون ظهرهم للانتخابات؟

وكان قرار مجلس الشورى استبعاد عدد كبير من المتنافسين عن السباق قد دفع الكثيرين في إيران وخارجها إلى التشكيك بنزاهة الاقتراع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه أصلا يدور حول صلاحيات ومجال نفوذ رئيس الجمهورية وحكومته. 

وقد تأسف وزير الخارجية محمد جواد ظريف في تسريبات تناقلتها وسائل الإعلام نهاية أبريل/نيسان لعدم تحكمه في جزء كبير واستراتيجي من الدبلوماسية الإيرانية، ما يعني أن جهات أخرى تتصرف فيها.

واستهدفت انتقادات ظريف بشكل غير مباشر الحرس الثوري. يقول الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس تييري كوفيل لفرانس24 إن "هذه القوة التي تعنى بحماية مبادئ الجمهورية الإسلامية تتعاطى مباشرة مع المرشد الأعلى" للثورة. 


وبالفعل، يتمسك المرشد الأعلى في إيران بغالبية السلطات، فهو الذي "يحدد توجهات الدولة" كما يوضح المؤرخ المختص في الشؤون الإيرانية بمركز الباحث في بروكسل جوناتان بيرون، مضيفا أن "دور رئيس الجمهورية المنتخب كل أربع سنوات يشبه دور رئيس الوزراء".

وبمقتضى الدستور، يتحكم المرشد الأعلى المنتخب مدى الحياة في الجيش والشرطة والإعلام العمومي، كما أنه ينفرد بصلاحية تعيين رئيس النظام القضائي. 

ويعين المرشد الأعلى نصف أعضاء هيئة صيانة الدستور فيما تعين النصف الثاني السلطة القضائية (التي يعين رئيسها المرشد الأعلى). ويشير جوناتان بيرون إلى أن هناك بعض النشاط السياسي الحر في البلاد، لكن "بصورة عامة كل شيء يدور حول شخصية المرشد الأعلى".


ويضيف الباحث قائلا إن الرئيس "يتمتع بصلاحيات محدودة [مقارنة بالمرشد الأعلى] ويقيدها البرلمان الذي يصادق على تعيين وزراءه وإقالتهم أيضا".

ويخول الدستور للبرلمان حق حجب الثقة من الرئيس، بموافقة المرشد الأعلى. وهو ما أقدمت عليه مجموعة من مئة نائب في يوليو/تموز 2020 قبل أن يتراجعوا أمام الدعم الذي أعلنه علي خامنئي للحكومة.

وعلى الرغم من ضعف صلاحياته في المجالين الأمني والقضائي، إلا أن الرئيس الإيراني يتمتع بسيادة معتبرة في ما يتعلق بالسياسات الداخلية والاقتصادية والاجتماعية. 


فهو يضمن عددا من "الحقوق والحريات"، حسب الأستاذة في علم الاجتماع السياسي بجامعة باريس-ديدرو أزاديه كيان. 

وتقول هذه المختصة في الشؤون الإيرانية إن الرئيس روحاني كان بوسعه التدخل بشكل أكبر في مجال الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة، مذكرة بأن روحاني "تعهد بإنشاء وزارة لحقوق المرأة وبتعيين نساء في مناصب وزارية، لكنه لم يفعل ذلك نظرا لنقص الشجاعة لديه، متعذرا في كل مرة بقوله إن المرشد الأعلى لا يريد".

وقد واجه حسن روحاني، الرئيس المحسوب على التيار المعتدل في إيران، منذ 2020 برلمانا محافظا، فضلا عن قائد أعلى معروف بمواقفه المحافظة المتشددة.


بين 20 و30 بالمئة من اقتصاد البلاد بين أيدي الحرس الثوري؟

في المجال الاقتصادي أيضا، يواجه روحاني "تدخل" جهات بشكل "غير شرعي" لأجل إضعاف نفوذه الرئاسي، حسب جوناتان بيرون. ويقول الباحث إن "الحرس الثوري يملك عدة شركات لا سيما في مجالات البناء ومنشآت النقل وفي كل يرتبط بالموانئ والمطارات".

 ويضيف: "إنها مؤسسات شبه رسمية، لا عمومية ولا خاصة، تحظى بمكانة خاصة خلال عمليات المناقصة. وهي تفلت من مراقبة رئيس الجمهورية ومن مصلحة الضرائب".

ويسيطر الحرس الثوري حسب جوناتان بيرون على نسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة من اقتصاد البلاد، مقرا بأن إحصاء هذه الشركات أمر معقد نظرا لتعدد مستوياتها وكثرة الشركات التابعة لها". وعلى الصعيد الاجتماعي، يقول الباحث إن الحرس الثوري يتمتع بنظامه الخاص.


ولعب الحرس الثوري بصفته جيشا إيديولوجيا مهمته الدفاع عن الثورة الإسلامية، دور المدافع عن الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها في عام 1979 ثم خلال الحرب مع العراق بين 1980 و1988. 

"وبدأ يتجذر في المجالين الاقتصادي والاجتماعي في سنوات التسعينات" كما يوضح بيرون، "ليبرز نفوذهم ويشتد مع بداية الألفية الثالثة تحت رئاسة هاشمي رفسنجاني الذي أعطى منعرجا نيوليبراليا للاقتصاد الإيراني إذ إنه فتح المجال أمام الاستثمار الخاص".


مؤسسات دينية قوية

وإلى جانب الحرس الثوري، تسيطر مؤسسات دينية أخرى على المشهد المؤسساتي والاقتصادي في إيران. فهي التي تدير الممتلكات المصادرة غداة الثورة الإسلامية، ومليارات اليورو التي ينفقها الحجاج الشيعيون. ومن بينها مؤسسة "آستان قدس رضوي" التي تدير ضريح الإمام الرضا في مشهد.

وتملك هذه المؤسسات تراثا عقاريا بارزا، حسب المؤرخ جوناتان بيرون. وتعد مؤسستا "المستضعفين" و"آستان قدس رضوي" أبرز هذه الهيئات الدينية، إذ إنهما تديران مئات الشركات وتشغلان مئات آلاف الإيرانيين في مجالات متنوعة مثل البناء والنقل والمناجم والسياحة والمواد الغذائية.

وفي مجال السياسة الخارجية، لا يتدخل رئيس الجمهورية سوى "عن بعد". وقد أكد ذلك وزير الخارجية محمد جواد ظريف حسب التسريبات التي تحدثنا عنها سابقا، قائلا إن الحرس الثوري هو الذي يعين سفراء إيران في الدول الشرق الأوسطية الإستراتيجية.


ويقول جونتان بيرون في هذا الشأن: "ما وزير الخارجية سوى مطبقا للأوامر، فالسياسة الخارجية والدفاع يحددهما المجلس الأعلى للأمن القومي". 

ويتابع: "الرئيس هو الذي يرأس هذا المجلس المكون من ممثلين عن كبرى مؤسسات الدولة، لكن كل قراراته تخضع لموافقة آية الله خامنئي". 

ويقرر المرشد الأعلى أيضا في مصير الاتفاقات الدولية مثل الاتفاق النووي، فيما يوكل مهمة التفاوض للرئيس وحكومته. بالمقابل، يقوم الرئيس الإيراني بالزيارات والجولات إلى الخارج، فهو واجهة للنظام.


وبالنسبة إلى بيرون، فإن انتخابات 18 يونيو/حزيران تكتسي أهمية بالغة إذ أن الرئيس المقبل قد يكون شاهدا على "خلافة المرشد الأعلى" البالغ من العمر 82 عاما.

*تم تغيير الاسم