في اليوم العالمي للاجئين: في كنيسة المسيح ليس من لاجئ ولا غريب

د. ميشال أ. عبس

  • كتب الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط في اليوم العالمي للاجئين

للاجئين يوم عالمي في العشرين من حزيران.

تحتاج الظاهرة أن نتوقّف أمامها إذ أصبح عددهم أكثر من 80 مليونًا في العالم وهم يزدادون بوتيرة عشرين لاجئ، يشرّدون قسرًا، في كل دقيقة. تصوّروا كم هي البشريّة جريحة وكيف يتصاعد عدد المستضعفين من شتى الأنواع ولشتى الأسباب.

لقد صنفت منظّمة الأمم المتحدة هذه المجموعة من ثقيلي الأحمال إلى فئات مختلفة، وقد إقتبسنا من موقعها بعض التعريفات من أجل تفادي الخلط بين الفئات التي تحتاج إلى مدّ يد العون والإنتشال من الفاقة والبؤس.

 الفئة الأولى تتكوّن من اللاجئين، "وهم الأفراد الذين يضطرّون إلى مغادرة ديارهم حفاظًا على حرّيتهم أو إنقاذًا لأرواحهم. فهم لا يتمّتعون بحماية دولتهم - لا بل غالبًا ما تكون حكومتهم هي مصدر تهديدهم بالإضطهاد. 


وفي حال عدم السماح لهم بدخول بلدان أخرى وعدم تزويدهم في حال دخولهم بالحماية والمساعدة، تكون هذه البلدان قد حكمت عليهم بالموت - أو بحياة لا تطاق في الظلال، دون الحصول على سُبل الرزق ودون أيّة حقوق."

أمّا الفئة الثانية فهي تتكوّن من ملتمسي او طالبي اللجوء وهُم من يصرّحون أنّهم لاجئون دون أن يكون قد جرى البتّ بطلبهم بشكل نهائي.

امّا الفئة الثالثة فإنّها تتكوّن من النازحين أو اللاجئين داخليًا، "وهم أشخاص أو جماعات أُجبروا على أو اضطرّوا إلى الفرار - دون أن يعبروا حدودًا دوليّة معترف بها - من ديارهم أو من أماكن إقامتهم المعتادة، أو تركها تجنبًا لصراع مسلّح، أو بسبب تفشّي العنف، أو انتهاكات لحقوق الإنسان، أو كوارث طبيعية، أو كوارث من صنع البشر." وتعتبر منظّمة الأمم المتحدة أنّه "غالبًا ما تطلق بشكل خاطئ تسميّة "لاجئين" على الأشخاص النازحين داخليًا".


امّا الفئة الرابعة فتتكوّن من عديمي الجنسيّة، أو مكتومي القيد، وهي " حال الفرد الذي لا يُعتبر مواطنًا من قبل أيّ دولة. وعلى الرغم من أنّ عديمي الجنسيّة قد يكونون أيضًا لاجئين في بعض الأحيان، فثمّة تباين بين الفئتين. 

قد ينتج انعدام الجنسيّة عن أسباب متنوّعة، بما في ذلك التميّيز ضد الأقليّات في التشريعات المتصّلة بالجنسيّة وعدم إدراج السكان المقيمين كافة ضمن مجموعة المواطنين عند إعلان استقلال دولة ما، وتنازع القوانين بين الدول.

" لقد جسّد المُبدعَين دريد لحام ومحمد الماغوط هذه الحالة وبطريقة المضحك-المبكي في فيلمهما الناجح والمعَبر "الحدود".


وتأتي اخيرًا الفئة الخامسة وتسمّى "العائدون"، "وهُم اللاجئين الذين قرّروا عودة طوعيّة وآمنة وكريمة، إلى ديارهم التي اضطرّوا إلى مغادرتها قسرًا. 

ويحتاج الأفراد في هذه الفئة إلى الدعم المستمرّ لإعادة إدماجهم وضمان توفير المناخ المساعد لهم على بناء حياة جديدة في أوطانهم الأصليّة."

هذه هي، حسب تصنيف الأمم المتحدة الفئات التي توصف باللاجئين والتي انكبّت شتى المنظّمات الدوليّة على مساعدتها بمختلف السُبل على الإستقرار وتجويد حياتها.


منذ نشأته، عمل مجلس كنائس الشرق الأوسط على إقامة برامج تُعنى باللّاجئين وتنفيذها وذلك بالتعاون مع منظّمات الأمم المتحدة المتخصّصة وغيرها من مؤسّسات العالم المسكونيّ.

إضافة الى ذلك، لا بدّ لنا من أن نؤكّد أنّ الفئة المسمّاة "لاجئين" قد إحتلّت حيّزًا متميّزًا في برامج الهيئات المسكونيّة ودخل تعبير "لاجئين" في كل تسمياتها.

إنّ عملنا، في المجلس والهيئات المسكونيّة التي تشكّل معه جسمًا كونيًا واحدًا، ينطلق ممّا تعلّمناه على السيّد المسيح وما جسّدته كنيسّة المسيح.


أليس هو الذي علّمنا أنّ "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهُم لا يدرون. أذكروا المقيّدين كأنّكم مقيّدون معهم، والمذليّن كأنّكم أنتم أيضًا في الجسد" (عبرانيين 13 :2)؟

أليس على لسانه ورد " مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا (متى 10 :8)؟ "ولا تنظروا كلُّ واحد إلى ما هو لنفسه، بلّ كلُّ واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا (فيلبي 2 :4)؟

لقد تماهى السيّد مع الغرباء والمتعبين والبائسين الى آخر الحدود! "جعت فأطعمتموني. عطشت فأسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إلي. 


فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا ربّ، متى رأيناك جائعًا فأطعمناك، أو عطشانًا فأسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبًا فآويناك، أو عريانًا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول لهم: الحقّ أقول لكم: بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتُم. (متى 25:35 -40).

لقد برّت كنيسة المسيح بوصيّة بانيها، فكانت وراء تأسيس أعداد لا تُحصى من المنظّمات والبرامج والمشاريع التي تعنى بالغرباء واللاجئين والبائسين محاوِلة التعامل مع شتّى اشكال الحاجات التي تنوء تحتها الأُسَر اللاجئة. والأهم من ذلك، أنّ القيم التي نضحت بها المسيحيّة كانت وراء ثقافة كونيّة تتوق إلى السند والمعاضدة لمن جارت عليهم الأيّام، دونما تميّيز بين عرق ودين وعقيدة.

لقد دخل هاجس الغرباء واللاجئين والمعوزين في صميم ثقافة الكنيسة، حيث أخذ حيزًا مميّزًا في طقوسها وترانيمها، بشكل يؤكّد أنّ في كنيسة المسيح ليس من لاجئ ولا غريب.


في هذا السياق نقتبس ترنيمة "أعطني هذا الغريب" من الصلاة الطقسيّة الأنطاكيّة لعشيّة الجمعة العظيمة حيث يرنِّم المصلّون: "إن يوسف، لمّا شاهد الشمس قد أخفت أشّعتها وحجاب الهيكل قد أنشّق لموت المخلّص، دنا من بيلاطس وتضرّع إليه صارخًا:

أعطني هذا الغريب، الذي منذ طفولته إغترب كغريب. أعطني هذا الغريب، الذي أماته أبناء جنسه كغريب. أعطني هذا الغريب، الذي أدهشٌ لمشاهدتي إياه ضيفًا للموت. أعطني هذا الغريب، الذي يعرف أن يقري الفقراء والغرباء.

أعطني هذا الغريب، الذي غربه اليهود من العالم حسدًا. أعطني هذا الغريب، لكي أواريه في لحد. أعطني هذا الغريب، الذي بما أنّه غريب ليس له موضع يسند إليه رأسه.


أعطني هذا الغريب، الذي لمّا رأته أمه ميتًا صرخت: يا ابني وإلهي، وإن كانت جوانحي تتجرّح، وكبدي تتمزّق عندما أراك ميتًا، فأنّي واثقة بقيامتك فأعظّمك.

بهذه الأقوال يوسف التقيّ إبتهل إلى بيلاطس، فأخذ جسد المخلّص، وبخوف لفّه بكفن ووضعه في قبر هو المانح الكلّ الحياة الأبديّة وعظيم الرحمة."

ان أوحى هذا النص بشيء فإنه يوحي، بما لا يقبل الجدل أنّ خارج كنيسة المسيح، اللجوء والغربة هما لجوئين وغربتين، واحد داخل وطن الإنسان ومجتمعه والآخر خارجه، وكليّهما أمرُّ من بعضهما البعض.

أليس هذا ما يعانيه أبناء المشرق الأنطاكي؟