بعض الجوانب الخفيّة في علم النفس

أشخين ديميرجيان

توفّر النظريات النفسية نظرة ثاقبة لكلّ جانب من جوانب السلوك البشري. من البديهي أنّ كلّنا يرغب وتتوق نفسه لمعرفة نفسه بشكل أفضل ، وتقطع النظريات النفسية شوطًا طويلاً نحو توفير رؤية صائبة للعقل والنفس البشرية. 

من المرجّح أن تكون معرفتنا لها سببًا في تغيير حياة الإنسان إذا استخدم المعلومات التي تحتويها بشكل صحيح.

يبحث علم النفس باستمرار عن الجوانب الخفيّة في السلوك البشري. رغم مختلف الأبحاث العلمية التي تناولت أنماط الشخصية بالدراسة إلاّ أنّ بعض علماء النفس توصّلوا في دراستهم عن "النفوذ (السلطة)"، توصّلوا وبشكل قاطع إلى أنّ "النفوذ يُفسد النفس البشرية". 

يُفسدها أخلاقيًا وسلوكيًا واجتماعيًا. لماذا؟ لأنّ النفس أمّارة بالسوء.


في الدراسة ، تمّ تقسيم البشر الذين أجريَت عليهم التجارب إلى مجموعات، تتكوّن كلّ مجموعة من ثلاثة أفراد، ولكلّ مجموعة قائد. وتمّ تكليف قادة الفرق بإعطاء كلّ عضو ما يستحقّه من درجات، بناءً على مساهمته في المهمّة الموكلة إليه. 

في أثناء الدراسة، قرّر علماء النفس وضع أطباق فيها خمس قطع من الحلوى في جميع غرف المجموعات. وتناول معظم القادة حصة الأسد من الحلوى (أي قطعتين) وتناولوا الحلوى بطريقة غير لائقة، بينما تبعثر فتات الحلوى وتناثرعلى الأرض.

وأكّدت أبحاث الدراسات النفسيّة أنّ ممارسة النفوذ والقدرة الأحاديّة تُحدث تغييرًا ملحوظًا في حياة ممارسها، لدرجة أنّه ينسى أخلاقه ويُصبح جشعًا وقحًا. 


ومع ذلك، لم تكن تلك الصفات من السلوكيات السلبية الوحيدة في الدراسة ... وقد أشار الباحثون إلى أن ذوي السلطان أظهروا أيضًا علامات محدّدة من السلوك العدواني السلبي: مثل التحرّش الجنسي في داخل المجموعة، أو التمييز العنصري لانتماء البعض لجماعة أو لعِرقٍ ما...  جرس الإنذار يحذّر كلّ صاحب نفوذ ألاّ ينسَ أنّ السلوكيّات سالفة الذكر بإمكانها أن تسيطر عليه وتتحكّم به وتغيّره إلى الأسوأ.

الكلام صفة المتكلّم ويعكس أخلاق المرء وتربيته. وهناك نظرية نفسية تقول انّ الكلمات التي نستخدمها تحدّد نظرتنا إلى العالم. كما أنّ الأحاديث المعتادة التي نتجاذب أطرافها مع الآخرين، والكلام الذي نتلفّظ به، يجعل الناس يحكمون علينا لأنّ الكلام يعكس طبيعة شخصيتنا، وهذا أمر معروف أصلاً. 

لكن الكلام الذي نستخدمه يجعلنا نلاحظ أشياء معيّنة ونتجاهل غيرها. هذا ما توصّل إليه بعض الأخصائيين  حينما درسوا لغة السكان الأصليين في أستراليا. 


لقد لاحظوا أنّ سكان أستراليا الأصليين ليس لديهم مفردات للاتجاهات المكانية "يمين" و"يسار"، لذلك يستخدمون كلمة "شرق" و"غرب" لوصف تلك الاتجاهات. 

وفي الواقع لا يقولون اليد اليمنى أو اليسرى على سبيل المثال. ويقولون إنّ لغتنا تؤثرعلى تفكيرنا لدرجة كبيرة، يعجز عنه أي أسلوب تعليمي. 

لذلك إذا كنت تُتقن أكثر من لغة واحدة، حاول التفكير بعدّة لغات حول موضوع معيّن يُزعجك أو يؤرقك، لاستكشاف وجهات نظر مختلفة، ممّا سيُتيح لك المجال ويساعدك على التوصّل إلى حلول واستنتاجات أفضل وأكثر وضوحًا.


خاتمة

صاحب النفوذ الصالح هو الذي يبثّ الثقة في النفوس، ويساعد الآخرين في التغلّب على العقبات ويدرّبهم على مواجهة التحدّيات، وعلى التكيّف مع الظروف والمتغيّرات وخاصة في الأزمات، للمضي قدمًا نحو الهدف المنشود. 

استخدم السيّد المسيح الأمثال لتوضيح حقائق روحانية سماوية من خلال تشبيهها أو مقارنتها بأمور الحياة العادية. في مَثَل الزارع من الكتاب المقدّس: "هوذا الزارع قد خرج ليزرع. 

وفيما هو يزرع سقط بعض الحَبّ في الشوك، فارتفع الشوك وخنقه فلم يُثمر" (مر 4: 1-7). والتفسير أنّ الزارع يزرع كلمة الله، والذي زُرع في الشوك، دلالة على الذين يسمعون الكلمة، ولكن هموم الدنيا وإغراءات الحياة من غنى ونفوذ وغيرها تُداخلهم فتخنق كلمة الله في نفوسهم.

والنفوذ (وهو من إغراءات هذا العالم) هو الشوك الذي يخنق "الكلمة" وأحيانًا يدمّر الدول.