مفهوم الجاهلية وصورة العرب قبل الإسلام

عامر الحافي - الأردن - تعددية

لا تكاد تجد أمَّة من الأمم تحتقر أسلافها، كما يحتقر كثير من العرب أسلافهم وتاريخهم. ويعود هذا الخلل إلى مفاهيم مغلوطة، ومِن أبرز تلك المفاهيم مفهوم "الجاهلية"، الذي يشيع في خطابات كثير من الناس وكتاباتهم، ويختصر كل ما هو قبيح ومذموم ومخالف للدين والأخلاق.

جاءت كلمة الجاهلية في القرآن في أربعة مواضع، أولها في قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، وهو يتصل بضعف الإيمان والخوف من الموت عند القتال. 

والثاني يتعلق باتّباع الرغبات والأهواء وعدم الرجوع الى أحكام الشريعة: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. 

والثالث يتصل بنقد بعض مسلكيات النساء قبل الإسلام: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]. والموضع الرابع يشير إلى نقد نزعات العصبية التي كانت عند العرب قبل الإسلام: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26].


بشكل عام، جاء مصطلح الجاهلية في القرآن في سياق تقويم بعض "المظاهر السلوكية" المرفوضة، التي كانت عند العرب قبل الإسلام، وكان الخِطاب فيها موجَّهًا إلى المسلمين، وليس إلى العرب غير المسلمين. 

فالجاهلية التي ينتقدها القرآن تتصل ببعض المشكلات السلوكية، ويمكن أن يقترفها المسلم وغير المسلم. فمعادلة الخير والشر، أو المعرفة والجهل، تشمل البشرية في مختلف أطوارها وعصورها. 

ليست المشكلة في المصطلح ودلالاته القرآنية، بل هي في طريقة استعماله، وما لحق بها من تصورات وتبعات، والتي لم تتوقف على الإساءة إلى العرب قبل الإسلام والاستخفاف بمنجزاتهم الحضارية، ولكنها امتدت إلى عصرنا الراهن، حيث أصبح كل ما هو "غيْر ديني" بمنزلة "جاهلية جديدة".


وهنا، نشير إلى استعمال العديد من الأدبيات الدينية المعاصرة لمصطلح الجاهلية، بوصفه مصطلحًا عَقدِيًّا يؤسس لرفض النُّظم السياسية والاجتماعية غير الدينية. 

ويتضمن ذلك تكفيرًا مبطَّنًا للمجتمع، وتبريرًا لاستعمال العنف ضده، وأيضًا ينطوي على شعور بِهُوِيَّة دينية مستَعْلية، تستوعب الهداية والمعرفة من دون بقية الناس.

كيف يوصَف العرب قبل الإسلام بأنهم بلا أخلاق ويستبيحون القتل والدماء، وهم الذين ابتكروا "حِلْف الفُضول"، وكانوا يحترمون الأشهر الحُرُم؟ لم يتجرَّأ العرب قبل الإسلام على انتهاك حرمة الكعبة، في حين انتُهكت حرمتها بعد البعثة ثلاث مرات: مرة في عهد "يزيد"، والثانية في عهد عبد الملك على يد الحجاج. والثالثة على يد القرامطة في القرن الرابع الهجري!


الإصرار على تشويه صورة المجتمع العربي قبل الإسلام، يشير إلى خلل في فهم الدور الحضاري للدين، باعتباره بديلًا للحضارة البشرية، وليس مجرَّد مكوِّن أساسي من مكوناتها. 

وربما يعود ذلك الإصرار إلى ظن بعضهم، أن المبالغة في الانتقاص من العرب قبل الإسلام يمثِّل إثباتًا قطعيًّا لعظمة الإنجازات التي جاء بها الإسلام. 

وقد أصبحت الإساءة للعرب أكثر تعقيدًا واختراقًا للعقل الإسلامي، حتى إنه لم ينْجُ منها رجل في حجم "ابن خلدون"، الذي عنْوَن في مقدمته لأحد الأبواب: "أن العرب إذا تَغلَّبوا على أوطان أسْرَع إليها الخراب".


لا تقتصر دلالة "الجاهلية" على الإساءة للعرب قبل الإسلام، ولكنها تمتد إلى جميع الأمم والشعوب التي كانت قبل الإسلام: كالفُرس والرومان وغيرهم. 

فالمدلول السائد للجاهلية ينطوي على نظرة تُضاهي مفهوم "الجوييم" في بعض الأدبيات اليهودية، والذي يرى في الآخر نقيضًا للخير والفضيلة.

هناك خلل منهجي يتمثل بالبحث عن جوانب قبيحة في المجتمع العربي قبل الإسلام، وتعميمها على العرب، كما هو الحال في تضخيم وثنيَّة العرب وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبيان أنهم كانوا دومًا يقتَتِلون، ويعاقرون الخمور، ويقترفون الفواحش، ويحتقرون المرأة، ويئدون البنات... إلى آخر ذلك.


ولم يتنبَّه المروِّجون لهذا الخطاب على أن هذا المجتمع "القبيح"، كان هو الأرض التي نبت فيها زرع الإسلام الأول، وأن الإساءة للعرب ستُفضي إلى الإساءة إلى الإسلام. 

فالإسلام ليس نبتة جميلة أينعت من أرض قذرة "خَضْراء الدِّمَن"، بل إنه جاء ليتمِّم مكارم الاخلاق التي كان العرب أقرب الناس إليها. فالكثيرون من العرب كانوا على ملَّة إبراهيم أو من أهل الكِتاب أو الحُنَفاء، ونَذكر هنا كلام الزمخشري في تفسيره للآية 36 من سورة التوبة، وعلاقة "الدِّين الْقَيِّم" بالأشهر الحُرُم: "يعنى أنّ تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وِراثةً منهما، وكانوا يعظِّمون الأشهر الحرم ويحرِّمون القتال فيها، حتى لو لقِي الرجلُ قاتل أبيه أو أخيه لم يَهْجُه".

ويكفي لِنَعرف أخلاق العرب قبل الإسلام أن نستحضر قول خديجة رضي الله عنها، عندما رجع إليها الرسول من غار حِرَاء بعد أن جاءه الوحي، فقالت له: "كلَّا! واللهِ ما يُخْزيك اللهُ أبدًا؛ إنك لَتَصِل الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقْري الضَّيف، وتُعين على نَوائب الحقِّ" (رواه مسلم). 

فالأخلاق التي أشارت إليها خديجة تؤكد أخلاق العرب وقيمهم الجوهرية، وهي في الوقت نفسه تمثِّل مشترَكات أخلاقية يجتمع عليها الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم.