شوق واشتياق إلى الماضي

أشخين ديمرجيان - القدس

أعلن الفاتيكان أنّ قداسة البابا فرنسيس يتعافى بشكل جيّد بعد خضوعه لجراحة في القولون قبل عدّة أيام. ونقل بيان صادر من دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي تأثّر قداسته بما تَلَقّى من رسائل تعبّرعن المحبّة خلال هذه الأيام، وشكر جميع الذين رفعوا الصلوات على نيّته. مع أدعيتنا لشفاء قداسته .

كلّ الظروف في هذه الأيام تجعلنا نحنّ إلى زمن الماضي الجميل... والحنين إلى الماضي هو جزء لا يتجزّأ من خبرات الإنسان ومشاعره. "يوهانس هوفر" هو أوّل من استخدم كلمة "nostalgia" سنة 1688. كان طالبًا في كلّيّة الطب السويسرية في جامعة بازل. 

لاحظ هوفر تعرّض الجنود السويسريين العاملين في الخارج لنوبات من الحنين، مع فقدان الشهيّة، والأرق وخفقان القلب. وأصبح الحنين أمرًا خطيرًا يؤدّي إلى الوفاة مرارًا وتكرارا. 

وكان أنجع علاج لمرضى الحنين إلى الوطن إعادتهم إلى بلادهم. والحنين nostalgia" لفظة مشتقّة من اللغة اليونانية تتكوّن من كلمتين "Nostos" أي العودة إلى الوطن و"Algos" أي الألم.


ونشعر بالحنين لدى استماعنا إلى أغانٍ قديمة تسحر الألباب، أو نشاهد صورًا لأفراد العائلة والأصدقاء، أو عندما نزور أماكن ما ارتدناها منذ سنوات عديدة. 

في الماضي كان الحنين يُعَدّ مرضًا لدى علماء النفس، واليوم يُقال أنّ آثاره مفيدة على عقل الإنسان وجسمه. نعم في الماضي كان يُعتقد أنّ الحنين "مرض عصبي يعود إلى أسباب شيطانية"، ولكنّه اتضح للعلماء فيما بعد، كما أثبتت دراسات وأبحاث كثيرة في علم النفس وعلوم أخرى أنّ: "الحنين إلى الماضي جيّد للدماغ". ولا نريد الخوض في هذا الموضوع لضيق المجال.

الحنين يعني الحنين إلى الماضي للغالبية العظمى من الناس، بمزيج من الذكريات السعيدة ويشوبها شعور بالفقدان أو الخسارة. ويتفاوت شعور الناس بالحنين، فمنهم من يعود  بالذكريات إلى  الماضي مرّة واحدة في الأسبوع، وغيرهم ثلاث أو أربع مرّات أسبوعيًا. 


يقول العالم النفسي "سيديكيد" أنّ الحنين يصدّ الشعور بالوحدة والملل والقلق. وهو كلام منطقيّ واضح لأنّ ذكريات الحنين تكون غالبًا إيجابيّة عن الذكريات مع الأصدقاء والعائلة. 

وهذه الذكريات تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء. ويقلّ الاحساس بالقلق لدى الإنسان عندما تزيد نسبة التفاؤل والإيمان اللذَين يتولّدان لديه بفضل الحنين.

الحنين بما فيه من شوق واشتياق إلى الماضي، يحمل معه الحلاوة والمرارة في آنٍ واحد. ويشعر الإنسان بالحنين إلى أيام الطفولة، وإلى رفيق الصّبا أو لقريبه المغترب.  


في قلب المشرّد واللاجىء والمهاجر الفلسطيني مثلاً حنين وحزن وشوق إلى الفردوس الفلسطينيّ المفقود والبيت المهدوم والأرض المصادرة والزّيتون المقتلع والكرمة المنزوعة من جذورها والقرى التي اختفت والمدن التي ما بقي منها إلاّ شجيرات الصّبر! وعند المغترب حنين إلى الوطن والشوق الممزوج بالكآبة التي تأخذ النفس بسبب البعد عن الوطن. 

كآبة تحدثها الحسرة على ما فات وابتعد. وفي معجم الأصوات "الحنين"هو صوت المشتاق وصوت الأمّ الى ولدها وصوت الذي في فؤاده نزعة ألم.هو صوت الريح والنسيم الرقيق وصوت العود عند النقر عليه. ويقال حنّت الناقة : أي مدَّت صوتها شوقًا إلى ولدها.


للحنين حدود

معروف في الشّعر الجاهليّ البكاء على الأطلال: " قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل..." ويبدو أنّ المبالغة في الحنين إلى الماضي قد يؤدّي إلى الاكتئاب، وفي الاعتدال، يبدو الحنين مفيدًا. 

ولعلّ الأكثر غموضًا من أي شيء  آخر أنّ الحنين يجعل الناس يشعرون بنسبة أعلى من الدفء الجسدي. لقد أجرى علماء النفس تجارب عديدة حيث أفاد المشاركون أنّهم يتمتّعون بدفء أكبر بعد الاستماع إلى موسيقى من الزمن الماضي. 

لذا، حينما نشعر بالوحدة أو البرد ونستمع إلى موسيقى أو أغان تعود بنا إلى الماضي،  يتحسّن وضعنا . والتفكير في الماضي السّعيد يجلب للمستمع أفكارًا إيجابيّة، قد يساعده في التغلّب على حالات غير سارّة وأيضًا على التخلّص من مشاعر سلبيّة يحملها لإنسان ما.


 وعلى سبيل المثال إذا كان الجو متوتّرًا (مكهرب) في البيت بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى الأيام الجميلة الماضية قد تزيل هذا التوتّر بينهما.

التفكير في الأحداث اللطيفة من الزمن الماضي يحسّن مزاجنا الحالي، ولذلك هو أمر جيّد لنا. ويساعدنا أيضًا للتفكير في المستقبل بشكل إيجابي (أي التفكير بمستقبل جميل). 

ولكن ينبغي أن نُدرك أنّه علينا أن نعيش معظم الوقت في الواقع وفي الحاضر، لأنّ العودة إلى الماضي تجعلنا نلفّ حول أنفسنا ونبقى "مكانك قف" لا نفيد المجتمع ولا نستفيد. 


ومن نقائص شعوبنا الشّرقيّة فرط في العواطف وتركيز على الماضي العريق المجيد، من غير استخلاص العِبَر منه ومن غير أخذ الحاضر في الحسبان ولا التّطلّع إلى المستقبل.


خاتمة

ليكن التخطيط لمستقبل أفضل حلم الإنسان بدل فتح الدفاتر القديمة باستمرار خاصة الملفّات السلبيّة المريرة التي يجب أن تكون في سراديب النسيان. 

ليكن الحنين إلى دفء البيت والأسرة هو الحافز الوحيد الذي يجعلنا نغوص في خضمّ  التجارب والمخاطر بشجاعة. وقد ورد في الرّسالة اإلى أهل روما (15: 4) حول أحداث الخلاص والكتابات المقدّسة: "إنّ كل ما كُتب من قبل إنّما كُتب لتعليمنا حتّى نحصل على الرّجاء، بفضل ما تأتي به الكتب المقدّسة من ثبات وتشديد".


وفي هذه المناسبة نحيّي فريق المهندسين الفلسطينيين الحاصلين على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت، في الضفة الغربية، الذين فازوا بالمركز الأوّل في مسابقة دولية لتصميم وإعادة إعمار مرفأ بيروت المدمّر في لبنان. وحصل فريق روسي على المركز الثاني، وآخر إيطالي بالمركز الثالث.