الحوار الإسلامي المسيحي والحاجة إلى البشارة المريمية

رشيد سعدي – المغرب

أصبحت شخصية مريم العذراء عليها السلام، تُشكل في العقود الأخيرة صلة وصل روحية بين المسيحيين والمسلمين، بل قاعدة دينية للحوار الإسلامي المسيحي. 

لذا، ازداد عدد اللقاءات الحوارية التي تتخذ من السيدة مريم رمزًا روحيًّا ودينيًّا، ونشأت منظمات للحوار الديني على أساس الثقة بقدرة قدسية السيدة مريم على احتضان المؤمنين (المسلمين والمسيحيين).

وجعْلِهم يصنعون قِيمًا حول العيش المشترك أكثرَ صدقيةً وعمقًا، نابعة من فعل البشارة المريمية، أي مِن كشف الله لنفسه وحبِّه لنا.


في لبنان، تَحوَّل عيد بشارة السيّدة مريم (أو الست مريم)، إلى عيد وطني يجمع كل اللبنانيِّين/ات في يوم 25 آذار/مارس من كل عام. وثمة مزارات مريمية في الكثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، يؤمُّها المسيحيون والمسلمون/ات، ويتوجهون فيها إلى السيدة مريم بصلواتهم راجين شفاعتها. 

في كنيسة "سيدة أفريقيا" في الجزائر العاصمة، التي يأتي لزيارتها الآلاف من الجزائريين المسلمين/ات سنويًّا، نجد صلاة منقوشة على الجدران بثلاث لغات، تقول: "يا سيدة إفريقيا صَلِّي من أجلنا ومن أجل المسلمين".


لا شك أن هناك اختلافات لاهوتية بخصوص السيدة مريم، مرتبطة بنظرة الديانتَين إلى طبيعة السيد المسيح نفسه. لكن، يشترك المسيحيون والمسلمون في الإيمان بقداسة السيدة مريم، وينظرون إليها نظرة إجلال، انطلاقًا من مكانتها المتميزة في القرآن وفي الأناجيل.

 يعتبرها المسيحيون المرأة القدِّيسة الممتلئة نعمة، في حين يعتبرها القرآن أفضل نساء العالمين، اصطفاها الله وطهَّرها. فهي السيدة الوحيدة المذكورة باسمِها فيه، ولها حضور كثيف في النص القرآني والتراث الإسلامي. 


يسميها المتصوفة "أم النور"، ذات "الحمل الشريف"، وهي أيضًا رمز النفس البشرية التي تنتظر ولادة عيسى، لكي ترتقي في الملكوت.

لكني أعتقد للأسف أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، لم تستطع بعدُ أن تدمج هذا العمق الديني والروحي للسيدة مريم، لكي يتجاوز الحوار طابعه الشكلي. 


إنْ كنا نتحدث بلاهوت خاص بحوار الأديان، فإني أعتقد أنه يمكن لشخص السيدة مريم -بوصفه مَعبرًا بين الإسلام والمسيحية-، أن يشكل مصدر لاهوت يمكن أن نطلق عليه اسم "لاهوت النعمة الشاملة"، يسعى لتجاوز مجرد الحوار إلى مفهوم الكرامة الإنسانية الجوهرية. 

أيضًا يشترك الإيمان الإسلامي والمسيحي في أن البشارة وولادة يسوع المسيح (أو ولادة عيسى من السيدة مريم)، هي حدث لاهوتي وروحي فريد. لكن السؤال الحقيقي هو: "كيف يمكن لدلالات هذا الحدث أن تُحْدث تحوُّلًا روحيًّا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟".


بالنسبة إليَّ، فإن البشارة المريمية هي تجسيد لجوهر العلاقة بالله، والتي يمكن أن نسميها شجاعة الإيمان، وشجاعة المرأة التي تلقَّت كلمة الله ورعَتْها في روحها وجسدها. فهي نموذج من الثقة بالله، التي تسمح لنا باستقبال مشيئته وكلمته. 

في حوارها مع الله -بحسب القرآن- خاطبَت مريم الملاكَ جبرائيل متسائلة كيف يكون ذلك: {أَنَّى يكُون لِي غُلَامٌ ولَم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولمْ أَكُ بَغِيًّا}؛ ما يعني أن الحوار المبني على الحرية -وهو هنا قبول العرض الإلهي- هو أساس الإيمان الحقيقي والشجاع. 


البشارة هي أيضًا تجربة ما يحدث لنا، عندما يَدخل الله في حياتنا عبْر كلمته، ويُعلن اشتياقه إلى الإنسان الذي يستتبع اشتياق الإنسان إلى الله. تنتقل العلاقة بالله إلى علاقتنا بالآخر. لذا، فإنَّ قول المسيح عيسى: "أَحِبُّوا أعداءَكم"، يشكل دعوة أخلاقية للبشرية كلها.

يمكن أن نعتبر أمومة مريم لعيسى أمومة كونية. فكلنا يمكن أن يُولد في النعمة وفي حياة جديدة، إنْ وعَيْنا دلالات حضور الله فينا من خلال كلمته المتجددة. لذا، قد تكون السيدة مريم طريقًا نحو تحوُّل لاهوتي مَركزهُ الإنسان الممتلئ نعمة، أي الممتلئ والمقدَّسة كرامتُه وحريته.


أعتقد أن الحوار الإسلامي المسيحي لا يزال يحتاج إلى شجاعة الإيمان، لِتَجاوُز كل الأفكار التي تُلقي بالآخر إلى مستنقع اللعنات أو التكفير، أو الأفكار التي تَبني الإيمان على قوة الإكراه وليس على الثقة بالله، أو الأفكار التي تجعل من الله كائنًا منحازًا، يمكن أن يبرِّر العنف والمعاناة بدل أن يَحمل البشارة في تشوُّقه إلى الإنسان المحبوب.

تحكي بعض الروايات التاريخية، أن تمثال السيدة مريم استطاع في القرن التاسع عشر أن يخلِّص مدينة وهران الجزائرية من وباء الكوليرا الذي اجتاحها. 


بغض النظر عن مدى صحة هذه المعجزة، يظل المغزى هو أن البشارة المريمية دعوة لكي ندَعَ الله المحبَّ يدخل قلوبنا، فنتخلص من الأوبئة الدينية التي تنخر أرواحنا، وتجعلنا غير قادرين/ات على الحوار الحقيقي مع الآخر، لأننا لا نَرى فيهِ بعدُ الإنسانَ الذي خلقه الله على صورته.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "جِسمنا يشبه مريم العذراء: كل واحد منا يحمل عيسى بداخله. لكن ما لم تَظهر فينا آلام المخاض فإنَّ عِيسانا لا يولد". لذا، أقول: إنه لا حوار بين المؤمنين/ات إنْ هُم لم يولَدوا عِيسويًّا في الله نفسه، عبْر تأمل حياة القدِّيسة مريم، والله أعلم.