عالم افتراضي بعيد عن الواقع

أشخين ديمرجيان

عالم التكنولوجيا عالم لا يكنّ الاحترام للحقيقة، وهوعالم افتراضي يُبعدنا عن الواقع.  لذلك يعيش معظم الناس هذه الحياة غير الواقعية... وعدا مشاركة محبّي وسائل التواصل الاجتماعي لأحداث الحياة، يتشارك بعضهم بعضًا -على سبيل المثال- صورًا تُظهر بنية أجسامهم بطريقة تتناسب ونماذج اخترعها الإنسان. 

هيئة الإنسان في مقياس معيّن تُعَدّ ممتازة،  بناءً على مقاييس ابتدعتها وسائل الإعلام والأزياء والفن والمحطات الفضائيّة والأفلام والمسلسلات، وهذه المعايير لا ينجح جميع الناس في تطبيقها، وعليه يعاني الإنسان الذي يهتمّ بمثل هذه الأمور، يعاني من القلق حول مظهره.

إنّ احتكار مفهوم الجمال على فئة معيّنة من الناس، تقوم بها صفوة لها مصالح مادّيّة، ينبغي مراجعته وإعادة تعريفه من جديد، ضمن منظور أكثر شموليّة، لأنّ الجمال نسبيّ، تختلف مواصفاته ومقاساته من بلد إلى آخر. 


ويشمل أيضًا جمال الروح: الجمال الداخلي وما يحمله من صفات سامية ومزايا نبيلة مثل التهذيب والاستقامة والسموّ بالروح والإخلاص في العمل والضمير الحيّ ومحبّة العلم والمعرفة والثقافة والسعي لزيادة المعلومات وسعة أفق التفكير وغيرها كثير. وهذه كلّها لا يُروَّج لها في وسائل التواصل الاجتماعي.

في جميع الظروف والأحوال التفكير الإيجابي هو الحلّ. ينبغي أن يفكّر الإنسان بأنّه جيّد ومقبول كما هو، وإذا كان يرغب في تحسين مظهره، فليفعل ذلك من أجل قناعاته الشخصيّة، لا لنيل استحسان الآخرين، أو لأجل إرضاء الآخرين بتجاهل الذات.  


وباختصار كلّ ما في الأمر أنّ مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ينهمكون في انتظار آراء الناس عن طلّتهم لا عن طلّة الآخرين.

تبقى كلّ المظاهر الخارجيّة سطحيّة. حكيم كلّ مَن يحاول أن ينمّي شخصيّته ويثقّف نفسه ويزداد علمًا ومعرفة. ويتجنّب الغوص في وسائل التكنولوجيا التي تُنسيه نفسه وحياته الأبديّة. وشعاره دومًا تطبيق وصايا الله في حياته كي يؤهّل للخيرات السماويّة.


إنّ مدمن شبكات التواصل الاجتماعية يفتخر بنشر كلّ تحرّكاته على منصّات التواصل الاجتماعيّ: سفر، عطلة أو رحلة، احتفال عائلي، الاشتراك بوليمة، شراء منتج جديد  والقائمة طويلة... 

وهذا التواصل أو ما يُسمّى بالتواصل، بينما يسمح للناس بتبادل خبراتهم في الحياة، لكنّه وللأسف الشديد يخلق أيضًا للغالبيّة العظمى معيارًا كاذبًا يتظاهرون من خلاله أنّ حياتهم جيّدة وعلى ما يُرام، وهي بخلاف ذلك...


حاجتنا الملحّة إلى اللجوء لوسائل الشبكات الاجتماعية كي نبدو وكأنّ حياتنا مليئة بالمغامرات مثل غيرنا، يجعلنا نكبت الانفعالات غير المرغوب فيها، وهذه العادة تجلب معها في كثير من الحالات التوترات والمشاكل النفسيّة، تؤدّي بنا إلى الشعور بفقدان هويّتنا، ممّا يغمرنا في النهاية بفيض من مشاعر صعبة للغاية مثل "القلق" أو الغضب أو انعدام الأمان. 

وتُعدّ الحاجة للأمان أحدى المقومات بل وأهمّها للحياة الإنسانية، وتتجلى أهميتها كما صنّفها علم النفس: في الأمن المعنوي والنفسي، الأمن الصحي، أمن الممتلكات الشخصية، والسلامة الجسدية من العنف والاعتداء. 


ويتمثّل الأمان في توفير الحقوق الخاصة بالأفراد والمواطنين على جميع الأصعدة والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


خاتمة

للأسف الشديد نعيش اليوم -ولشدّة تعلّقنا بوسائل التواصل الاجتماعي وتصديقنا لكلّ خبر، من غير لجوء إلى مصادر ومعلومات علمية- نعيش الخوف والقلق والرعب يغزو القلوب، ونعيش حياة اختلّ فيها الاستقرار، ونبحث عن الطمأنينة والراحة والعيش الكريم بسلام.

 زمننا هو زمن الرجوع إلى الله خالقنا: "الساكن في ستر العليّ، يبيت في ظلّ القدير" (سفر المزامير 91: 1). لذلك من المستحسن أن نحافظ على خصوصياتنا ونعيش حياتنا حسب ظروفنا المالية وقناعاتنا الشخصية.