ماذا يقول الكاهن عن والده المتوفى؟

الأب فرح بدر

كلمة من الاب فرح بدر في جناز والده المرحوم سلامة فرح بدر



أبي يا أبي، أحييك في منامك الهادئ بعد 3 أيام على الرحيل. وأود أن أقول لك شكرًا على أنك أبي، وعلى أنك أنشأت لنا أسرة كنت فخورًا بها، كما نحن فخورون على الدوام بك، وبصداقتك وأبوّتك ومحبتك لوالدتنا العزيزة ولنا جميعاً. 

سنسير على خطاك يا أبي وكما ربّيتنا وعلّمتنا وكنت مثالاً لنا في كل شيء، فذكراك (ذكرى الصديق تدوم إلى الأبد). نعدك كلنا (أمي وإخوتي وأخواتي) بأن نسير على خطاك دائماً أبداً حتى النفس الأخير.


يا خادم الكنيسة، وهذا ما أفخر به أيضاً، بأنك كنت في هذه الكنيسة بالذات وفي هذه الرعية وفي هذه البلدة، النشمي المستعد للعمل والمساعدة والتعاون وجمع التبرعات والقيام بتنظيم شؤون الكنيسة وقاعة الرعية وصيانتها، في عهد عدد من الكهنة الأجلاء الذين خدموا هذه الرعية بتفانٍ، وكان يرون بك، إلى جانب أبناء آخرين للرعية نعم السند والمساند والمتأهب الدائم لخدمة الكنيسة.

يا حاملاً صليب الآلم والأمل، لقد حباني الله نعمة أشكره عليها، إذ مكّنني من مشاهدتك وأنت تحمل الصليب من أوله إلى أول الحياة الأبدية. تعود بي الذكريات بعد سنة من غسيل الكلى لوالدي. 


حاولنا مراراً وتكراراً بأن يهدي واحد منا كلية لأبينا وكان يرفض دائماً. كنت أقول له: أمي الله يعطيها الصحة وطول العمر ستبقى دائماً إلى جانبك وتخدمك للأبد، وإخوتي وأخواتي سيتزوّجون، اسمح لي بأن أهديك كلية مني، فأنا كاهن وسأخدم رعيتي وكنيستي بكلية واحدة بنعمة الله. 

حكالي كلمة وحدة: (قدّمتك يابا لربنا وللكنيسة وما رح أقبل. ولو زرعت كلية ولاّ ما زرعت، إللي كاتبه ربّك بصير).


كنت يا أبي الصبور المتحلي بالهدوء والتحمل، ولقد تحملت ما لا تتحمله الجبال. ست سنوات غسيل كلى، أتساءل: كم حبة دواء تناولتها طيلة هذه المدة؟ كم مرة دخلت المستشفى؟ وكنا نذهب الساعة ٤ صباحاً لغسيل الكلى مرتين في الأسبوع وثلاث مرات عندما تزيد السوائل عندك. 

كم مرة غُرِزَتِ الإبر في جسمك؟ كم مرة خرج الدم من جسمك وعاد إليه ليتفلتر؟ كم ساعة أمضيتها يا أبي الحنون على سرير غسيل الكلى؟ كنت دائماً صبوراً هادئاً مبتسماً تقول (إللي من الله يا ما أحلاه). 


لكنّ محبتك الأبوية وإيمانك بالرب الحامل الصليب، قد جعلاك تحمله بفرح وافتخار، وكأنك تقول كما نترنّم في الزمن الأربعيني: آتانا صليب الغار، يا رب، مجداً وانتصار...

اسمح لي يا أبي، باسمك، وأنت الحي بيننا، وباسم عائلتنا الصغيرة (أمي ومي ومرلين والياس وصهيب وأنا)، أن نشكر عائلتنا الإنسانية الكبيرة، وعائلتنا الوطنية وأبناء البلدة والعشيرة الذين كنت من رجالهم المؤثرين والنشامى. 


واسمح لي أن أشكر البطريركية اللاتينية التي قدّمتني لها يوماً، وأحاطت جثمانك الطاهر، وها هي تحضر اليوم، أشكرها بطريركاً وأساقفة وكهنة وشمامسة وراهبات ومؤسسات ومؤمنين، وأشكر كاهن رعية مار الياس الأب بهاء اسطفان، والأخوات الراهبات، وأشكر أبناء رعيتي سيدة الكرمل في الهاشمي الشمالي، الذين غمرونا بمحبتهم ووقفتهم الإنسانية والإيمانية، والشكر والتقدير لأخواتي راهبات الوردية وراهبات رعيتي في الهاشمي - راهبات القلبين الأقدسين، اللواتي لم يكففن يوماً عن الصلاة من أجل والدي الحامل صليب المرض منذ ست سنوات...

وأشكر العم سالم والعمّات والأخوال والخالات والنسائب الأعزاء والأقارب وكل إنسان، وإخوتنا المسلمين، بمختلف المواقع، الذين غمرونا بلطفهم وهاتفونا، واحترموا القوانين السارية، فاكتفينا منهم بالمواساة والعزاء على مواقع التواصل الإجتماعي.


والشكر لصرح المدينة الطبية والخدمات الملكية الذين لم يوفّروا جهداً طوال السنوات، بإحاطة والدي بالاحترام وتقديم العون الطبي له، وتقديم التسهيلات أثناء الحظر... ليتمكن من الوصول إلى مكان غسيل الكلى الذي اعتاد عليه مدة السنوات الماضية...

حبيب القلب أبي العزيز، أحيّي قلبك الأبوي، في سنة مار يوسف شفيعك وشفيع كل الآباء. استرح بسلام، يابا، نم قرير العين، مطمئن البال، مرتاح الضمير، وسلّم على أختي ميس وعلى الذين سبقوك من أهلك وأبناء عشيرتك وأصدقائك، وأنا متأكد من أنك ستكون معهم شفيعاً لنا من علياء السماء. رحمك الله يا أبتِ، الله يرحم ترابك يا غالي، لروحك الطاهرة الرحمة والسلام. وشكراً لكم أيها الأحباء جميعًا.