مريم... رمز الطاعة والأمومة

المطران جورج خضر

  • لمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء، نُعيد نشر إحدى الروائع الكتابية للمطران جورج خضر عن السيدة العذراء، ونستعيد مقاله من أرشيف جريدة "النهار" اللبنانية في العام 2013

صمنا مع مريم لله في هذا الصيف لأننا إذا ذكرناها في إقامة أعيادها إنما نختلي بهذه الصوامة الكبيرة لتطهير النفس والشوق المريمي إلى الله. مريم تنتظرنا للتّطهّر معها إذ ليس لها انتظار آخر. 

لأنها كانت أمّاً للسيد أمست أمّ جميع الذين يحبونه من أيّ حيّ روحيّ كانوا. نحن جميعاً حيّزها وبها نتقبّل الله، أي ننقطع عن أيّ ما كان غير إلهي. 


المسيحيون منا مريميون وبعض من الموحدين الآخرين يذوقون مريم لكونهم لامسوا المسيح. هي تجالس الناس إذا دنوا منه أو هي معهم إليه لأنّ من ذاقت نفسه الحب الإلهي يقدر أن يذوق مريم.

يلفتني دائماً أنّ لوقا لمّا تكلّم عنها قال الله به: "وأنتِ سينفذ سيف في نفسك" أيّ أنّك ستعرفين الآلام برؤية ابنك مجروحاً. ستكونين شريكة المصلوب في القدر الذي يعطيكِ. وأنت معنا في كلّ أوجه حبنا له. 


لمّا كنتِ واقفة عند صليبه كنت تتألمين من أجلنا. مشاركة الآلام هي مشاركة الفرح. في وجه لا يعرفه إلّا الخاصة أنت تحمليننا كما حملته.

نحن نقول في الكنيسة ومع الآباء أنّك حواء الجديدة. في الدقّة اللاهوتية نحن مولودون من المعمودية ولسنا مولودين منك إلّا إذا قلنا أنّنا لما كنا في المسيح عند ولادته رجونا أن نجيء منك. 


فأنت مع كونك والدة السيد في الجسد جئت منه بالروح القدس ونحن في صورة سرية ننحدر من أحشائك. لا يفهم هذا إلّا من تمرّس في الحياة الروحية ونما في الذوق الالهي. وكلّ مقاربة أخرى باطلة.

أنت تلديننا بعذريتك والعذرية وحدها تلد. والمراد بهذا أنّك إن جئت فقط من الله فأنت أُم لذرية جديدة هي ذريته. عندما نقول إنّ العذرية وحدها تلد نريد بها عذرية الروح أيّ مولوديته الوحيدة من الله. من جاء من غير الله لا يلد. 


لا يلد إلا الذين "وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجل بل من الله" (يوحنا 1: 13). الذين يضعون أولاداً من أجسادهم هم ككل الكائنات الحية. أمّا المولود من الله فيلد ناساً إلهيين.

الأجسد أجساد. أمّا من جعلته النعمة ابناً لله فهو مولود من فوق أي ليس من جسد أمه.


مريم تعلّمنا أننا نقدر أن نولد من جديد بلا أب وبلا أم، بمشيئة النعمة وأن نبقى في الحضن الإلهي. نحن لا نحتاج إلى نزعة أنثوية فينا لنقيم لمريم مكانة عظمى في نفوسنا. نحن نحتاج إلى بتولية الروح أي إلى الانضمام الكلي إلى الله بلا شرط ولا إضافات اليه. 

إنّ لقاء الله وحده هو الذي يؤهّلنا لنجعل لمريم مكانة علينا في نفوسنا وهي التبتل لله وحده. التبتل له لا يعني العذرية. إنّه يعني الانضمام إليه بلا شرك ولا انصهار. 


بلا شرك بحيث لا نجعل أحداً مع الله وبلا انصهار لأنّ الله لمحبته إيّانا يريدنا أمام وجهه لا ذائبين فيه. مريم أمام المسيح لا تطوعه ولا تطوعنا. ليس في الحب تطويع. 

إنّها هادئة، محبة، حاضنة. لذلك نرجو أن يفهمنا أولئك الذين يشكّون في أنّ المسيح عندنا هو المعبود الوحيد. أنّ يكون السيد لنا كلّ شيء لا يفضي إلى إقصائنا أحباءه من حوله. هم لا يضيفون إليه بهاء. هم يكشفون بهاءه.


كلّ القول إنّنا نعبد مريم حكي يحكى. نحن لم نكتشفها حقاً إلّا لكونها مختارة الله. ليس لها وجود إزاءه. لها وجود معه أيّ منه وبه. فمن أحبّه يحبّها ويتّعظ بها. من ذاق المسيح حقاً يحبّ مريم ويجلّها ويبجّلها. هذه أشياء متماسكة إن كنّا عالمين.

محبتك للمسيح مشعّة. هو لا يفصلك عمّن أحبهم. وهو أحبّ أمّه وتلاميذه. فأنت مخلص له إن أحببتهم. نحن لا نكلّمهم في صلاتنا إلّا لأنّهم هم يكلمونه. 


نحن لا نخترع صلة روحية بيننا وبين القديسين. هو اخترعها. نحن ورثناها. فإذا شعرنا بمريميّتنا لا يضعف إيماننا بانتمائنا إلى الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي هو يسوع المبارك.