الكنوز الأرضيّة والسماويّة

أشخين ديمرجيان

لهزيمة قوى الظلام في زمننا الصعب علينا أن نبحث عن النقاء بدل الانحراف، ونتجذّر في الله بالتواصل الوجداني، ونتمكّن بالحق الذي يحرّرنا من غير ارتباك.

لقد أوضح السيّد المسيح بعض الأمور بقوله: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأُ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. 

بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء، حيث لا يفسد سوسٌ ولا صدأٌ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنّهُ حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا".


لدى قراءتنا هذه الآية من الانجيل الطاهر، أوّل ما يتبادر الى أذهاننا الكنوز الأرضيّة وكنوز علاء الدين أو المجوهرات أو المال. ونتساءل هل حفظ لنا الله كنوزاً في السماء وكدّس الثروة والمال أيضاً؟! تُبيّن الآية سالفة أنّ السيّد المسيح لا يحبّذ الكنوز الأرضيّة ويرفضها. 

يرفض كلّ ما هو أرضيّ ماديّ، وكلّ ما يرتبط بالجسد واحتياجاته المتنوّعة اذا أدّى إلى عدم الاهتمام بالنفس. لذلك يشجّعنا على ادّخار الكنوز السماويّة. وينصحنا بأن لا تتعلّق قلوبنا بتلك الكنوز الأرضيّة، بل أن يكون كلّ همّنا وتعلّقنا في الأمور السماويّة...


يكنز الانسان لنفسه في هذه الدنيا كنوزاً أرضيّة ينخر فيها السوس والفساد وهي كنوز عابرة لا تدوم مثل: جمع الثروة أو التمسّك بالجاه أو السلطة أو المنصب أو الشهرة. والاهتمام بالمأكل والمشرب والمَلبس. 

يفعل المرء كلّ هذا وأفكار القلق والخوف تساوره باستمرار. فلا ينعم بحياته، لأنّ دوّامة الشك والشعور بعدم الأمان من تقلّبات الزمن الغدّار تنغّص عيشه. ويخطّط الانسان ويدبّر لحاضره ومستقبله ولزمن الشيخوخة والتقاعد... 


كلّ ذلك ليؤمّن مستقبله ويضمن الراحة لنفسه ولأفراد عائلته الكريمة. نعم يجب أن يعمل الانسان ولا يتكاسل أو يتوانى، ولكن بقناعة ودون طمع.. مع الاهتمام بأعمال الرحمة تجاه القريب. 

واذا كان ثريًّا، يجب أن تزداد انسانيّته بالعطاء والصّدقة والخير وتوفير سبل العيش للآخرين من حوله، مُتحاشيًا انفاق الثروة في سبل الانحراف. ويجب أن تكون ثقة المؤمن بالله تعالى كبيرة، لأنّ الله لن يخذله اذا كان بارًّا وفيًّا. فيقوى على المِحَن والصعوبات التي تعترضه.


ويجب أن لا ينس المؤمن أنّ أهمّ هدف لوجوده على الأرض هو التفكير في الكنوز السماويّة التي يجب أن يدّخرها والتي لا يطولها السوس والفساد. وتهيئة الخيرات والبركات الالهيّة وتركيز الاهتمام على ارضاء الله واتباع تعاليمه ووصاياه في المرتبة الأولى من حياتنا. 

وأيضًا الأخذ بلباب الأمور وجوهرها ليمدّنا الله بشحنة روحيّة قويّة فنتمكّن من مقاومة سلبيّات وشرور هذه الحياة الدنيا. وتقودنا الصلاة والممارسات الروحانيّة إلى ملكوت الله، حيث يكون لنا معه نصيب في الحياة الأبدية. 


ثمّ في المرتبة الثانية نقوم في التفكير بأوضاعنا وأحوالنا الماديّة. ونتوكّل على الله تاركين الأشياء المرئيّة والسطحيّة ومشاكل الذهب والفضّة وما شابه ليتكفّل بها الله.

كلمة الله تزيد المؤمن إيمانًا وثقة بالله وتطمئن قلبه. لنصمدنّ في الايمان ولا نفكّر في الغد القريب أو البعيد لأنّ الله مدبّر الكون يهتمّ هو نفسه بأصغر أمورنا وأعظمها كما وعدنا قائلاً: "اطلبوا أولا ملكوت اللـه وبرّه وهذه كلها تزاد لكم". 


نور كلمة الله يُبدّد ظلمات حياتنا. الذهاب مع ريح الماديّات يُغري ويُسيطر على كيان الإنسان، وبالتالي يخسر نفسه والحياة الأبديّة التي أعدّها الله للصالحين... المستقبل هو في السماوات وليس في هذه الديار المؤقّتة الفانية.


خاتمة

من أهمّ الكنوز التي تلقى رضى الله وتحرس الانسان من مُغريات هذا العالم "كنز الحكمة" لذلك ينصحنا السيّد المسيح بقوله: "كونوا حكماء". و"كنز السخاء والعطاء" بلا حدود. هذه الكنوز تحفظ الانسان من الطمع والحسد ومن شرور وخطايا كثيرة. 

وتفتح للإنسان أبواب ملكوت الله. التعلّق بالمال وبمحبّة العالم تقود الإنسان إلى الهلاك وموت النفس. "وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب ابرة أيسر من ان يدخل ثريّ الى ملكوت الله" (انجيل لوقا 18 : 25).